.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين أن خير المتدابرين من يبدأ بالسلام  

==========================================================

 عن أَنَسِ بن مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تَبَاغَضُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر)
يتضمن هذا الحديث الشريف النهي عن الهجران بين أصحاب العلاقات الاجتماعية وغيرها من أبناء المجتمع المسلم فوق ثلاثة أيام، فقد يحدث بين أفراد منهم، أو أطراف، خلاف وشقاق، يقود إلى حالة من الغضب والكراهية، والإسلام بواقعيته يجعل هذا الحال في الاعتبار، ويخضعه للمعالجة، فينهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن التدابر، مما يعني ضرورة بذل الجهود لتجنب القطيعة بين المسلمين، وإذا ما حدثت في ظروف خاصة، فلا يجوز أن تتجاوز فترتها ثلاثة أيام، وبهذا يتضح أن للتدابر حداً أقصى، أو سقفاً أعلى، يحرم تجاوزه، بغض النظر عن الأسباب، وعادة تفتر همم الناس تجاه معظم القضايا التي يتفاعلون معها بقوة مع مرور الوقت، ويبدو أن الثلاثة أيام كفيلة بحدوث فتور ثورة الغضب، الناتجة عن مشكلة حدثت بين متخاصمين، والذي يحرص على حب الخير، ويتفوق في صفاء السريرة، يسبق خصمه في المبادرة إلى كسر حاجز التدابر بطرح السلام، فخير المتخاصمين والمتدابرين الذي يبدأ خصمه بطرح السلام عليه، معلناً بهذا رغبته في إنهاء حال القطيعة بينهما، وعادة ما يلجأ إلى هذه المبادرة خيار الناس، الذين يدركون قدر السلام، وأثره في نشر المحبة، والتواد بين الناس، عملاً بتوجيهات الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيث قال: (لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ) (صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وأن محبة المؤمنين من الإيمان)
وهناك قضايا وموضوعات تخدم مسألة فض النزاعات بين بني آدم بشكل عام، وبين المسلمين بشكل خاص، حثَّ عليها الإسلام، وبين فضلها وأهميتها، ومن تلك القضايا: النهي عن التنازع والشحناء، وإصلاح ذات البين، والعفو والصفح، ولأن المقام يضيق باستيعاب الحديث عن المزيد من هذه القضايا، فسيتم حصر الوقوف عند مجمل هذه القضايا الثلاث.

النهي عن التنازع
قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:46)
مما يشد الانتباه في هذه الآية الكريمة تركيزها على قضية التنازع، وقد أشارت إلى تداعياته السلبية في سياق الأمر المهم المتعلق بلزوم طاعة الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم ، فالتنازع يجر إلى الفشل والإخفاق، وبالتالي يحدث الخسران، وتحدث الهزائم، فالرماح المجتمعة تكون عصية على الكسر، بعكس المتفرقة التي تتكسر آحاداً، وهكذا الجموع البشرية، إذا اتفقت واتحدت كانت قوة،
أما عند تفرقها واختلافها، فإنها تضعف عن المقاومة، وصد الخصوم والأعداء، وفي صحيح البخاري، بَاب ما يُكْرَهُ من التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ في الْحَرْبِ وَعُقُوبَةِ من عَصَى إِمَامَهُ وقال الله تَعَالَى: {ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} قال قَتَادَةُ: الرِّيحُ الْحَرْبُ، وفيه (أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إلى الْيَمَنِ، قال: يَسِّرَا ولا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا ولا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا ولا تَخْتَلِفَا) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه)
ومن سلبيات التنازع والشقاق، عدا عمّا ينتج عنهما من ضعف وخوار، أن الملائكة بأمر الله تعالى يُنْظِرون المتخاصمين المتشاحنين حتى يصطلحا، وذلك حين حدوث الفتح الأسبوعي لأبواب الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يوم الإثنين وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ، لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شيئاً إلا رَجُلًا كانت بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا، انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا، انظروا هَذَيْنِ حتى يَصْطَلِحَا) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الشحناء والتهاجر)
فالمتشاحنون يحجب عنهم الفوز بنيل المغفرة التي يمنحها الله جل في علاه لعباده الذين لا يشركون به شيئاً، لكن المتشاحنين يُرجأون حتى يصطلحوا، وهذا الموقف الصعب المتمثل في استجلاب التنازع للفشل على أرض المعاش في الدنيا، وحجب التمتع بالغفران الذي هو من خواص الآخرة أكثر، إنما يخص الأفراد والجماعات، وبالتأكيد أن الخصام الخاص بين فئات المسلمين الجغرافية والمذهبية والفكرية مشمول بذلك، من هنا فإن البادرة الطيبة للرجوع عن جزء من الخصام الحاصل بين شطري الوطن فلسطين، يبشر باستدراك خطر النزاع والانقسام، والعودة إلى جادة الصواب والحق محمودة، ولو كانت متأخرة، وأن تأتي متأخرة جداً خير من أن لا تأتي مطلقاً، وشعبنا الأبي المرابط على ثغور الأمة، القابع على الأرض التي باركها الله، التي ارتوت بدماء الشهداء جدير بنصر من الله مؤزر، لا فشل من الشيطان ذريع بسبب التنازع والتطاحن والشقاق والتدابر، فنبارك لطرفي الانقسام توجههم إلى المصالحة، راجين أن يكون باعثهما إليها الصدق والإخلاص، والحرص على المصالح العامة لشعبنا ووطننا وأسرانا، واحترام دماء شهدائنا.

إصلاح ذات البين
من القضايا ذات الصلة بنبذ التدابر والتنازع، السعي الحثيث لفض النزاع، والذي يطلق عليه إصلاح ذات البين، الذي أمَرَ به جل شأنه، فقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (الأنفال: 1)، فأمر الله بإصلاح ذات البين توسط في هذه الآية الكريمة الأمر بالتقوى، والأمر بطاعة الله ورسوله، مما يدل على عظيم قدره، وبالغ أهميته، وفي آية قرآنية كريمة أخرى، أمر الله عز وجل مرتين بالإصلاح بين المختلفين المتقاتلين من المؤمنين، فقال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات: 9)، وأكد الله هذا الأمر في الآية التالية بعد التأكيد في مطلعها على أخوة المؤمنين، فقال جل شأنه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10)، فمن حق المؤمنين على بعض أن يسلك الخيرون منهم سبيل إصلاح ذات البين، الذي وصفه الله بالخير، فقال عز وجل: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}(النساء: 128)
وأثنى رب العزة على إصلاح ذات البين، بقوله تعالى:{لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ من نجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} (النساء: 114)
وقد ورد في بعض روايات الحديث أن إصلاح ذات البين يفوق في الأهمية والفضل منزلة التطوع بالصلاة والصيام والصدقة، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ). (سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في إصلاح ذات البين، وصححه الألباني)

فضل العفو والصفح
من الأمور التي تخدم مسار فض النزاع والشقاق بين الناس، تحليهم بخلق العفو والصفح، فهو يعبر عن نفس متسامحة تنبذ الحقد والغل، وما ينشأ كثير من التدابر إلا عنهما، وقد أثنى الرسول، صلى الله عليه وسلم، على أصحاب العفو، فقال: (...وما زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إلا عِزًّا) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (وما زَادَ الله عَبْدًا بِعَفْوٍ إلا عِزًّا) فيه وجهان؛ أحدهما أنه على ظاهره، وأن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه، والثاني أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك. (شرح النووي على صحيح مسلم، 16/141)
فهذه من أبرز مناهج فض النزاع والشقاق بين الأخلاء والأشقاء، سائلين الله أن يوفق أبناء شعبنا لتجاوز حالة الانقسام إلى وحدة الصف وأن يسدد خطاهم ويؤلف قلوبهم ليحققوا مصالح شعبهم ووطنهم، ويرضوا الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
16 محرم 1439هـ

تاريخ النشر  2017-10-06
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس