.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين أفضل الناس وخير الأمم - الحلقة الثالثة والأخيرة  

==========================================================

 عن عبد اللَّهِ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: ( خَيْرُ الناس قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ، قال إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا على الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ) (صحيح البخاري)
وقفت الحلقة السابقة عند إجابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن أفضل الناس، والذي أعطى فيه الأفضلية الأولى لمؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، ويليه بالفضل مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ من الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ الناس من شَرِّهِ، وقد أشير فيها إلى رأي الجمهور في معنى الاعتزال المحمود، والذي يفيد بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبرون عليه، أو نحو ذلك من الخصوص، ووقفت تلك الحلقة أيضاً عند شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (تَجِدُونَ الناس مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ، خِيَارُهُمْ في الإِسْلامِ، إذا فَقِهُوا...) حيث أشير إلى مقام الذين يتفقهون في الدين، الذين أراد الله بهم خيراً من خلال تيسير التفقه في الدين لهم، وأشارت الحلقة السابقة أيضاً إلى فضل قريش كقبيلة، فالناس تبع لها في الإمارة والسيادة، وجمهور أهل العلم اشترطوا أن يكون الإمام قرشياً.
وفي الحديث الشريف أعلاه يخص قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني) قوماً منهم دون جميعهم، ومعلوم أن قرنه: كلهم لم يكونوا خير الناس، فقد كان فيهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وسائر المشركين، ومسيلمة الكذاب، وإنما كان خير الناس بعض القرن لا كلهم، فصار كأنه قال خير الناس في قرني. (بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار، 1/374)

أفضل الصحابة والمجاهدين
قال الحافظ: والمراد بقرن النبي، صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الصحابة. (تحفة الأحوذي، 6/389)
والصحابة، رضي الله عنهم، درجات في الأفضلية، وقد كانوا بناء على فقههم للأدلة والمواقف، يحددون كبارهم وأفضلهم، فعن ابن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: (كنا نُخَيِّرُ بين الناس في زَمَنِ النبي، صلى الله عليه وسلم، فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ، رضي الله عَنْهُمْ) (صحيح البخاري)
والله تعالى أثنى على السابقين للإسلام، فقال تعالى: {السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة: 100)
فالله تعالى رضي عن شرائح من المؤمنين أشارت إليهم الآية الكريمة، على رأسهم كبار الصحابة، رضي الله عنهم، الذين ذكرهم في قوله سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ...} قيل: هم من صلى للقبلتين، وقيل من شهد بدراً، وقيل من حضر بيعة الرضوان. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/83) وممن يشملهم فضل الفوز بالرضا الرباني، اللاحقون بالسابقين من الفريقين، على أن من تبعيضية، أو الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة، فالمراد بالسابقين جميع المهاجرين والأنصار، بناء على أنَّ من بيانية. (تفسير أبي السعود، 4/97)
ومن الآيات القرآنية التي أشارت إلى تفضيل المجاهدين في سبيل الله قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء: 95)
وذكر جزاء الأخيار من الخلق في كثير من الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الصحيحة، ومن ذلك بيان أن المجاهدين درجات عند ربهم، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (من آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كان حَقّاً على اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أو جَلَسَ في أَرْضِهِ التي وُلِدَ فيها، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَفَلَا نُبَشِّرُ الناس؟ قال: إِنَّ في الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ما بين الدَّرَجَتَيْنِ، كما بين السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فإذا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فإنه أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرحمن، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) (صحيح البخاري)

أفضلية أشخاص بأعيانهم
لم يقتصر بيان درجات الناس وأفضلية تفضيلهم على بعض على ذكر أصنافهم، بل ورد تفضيل بعض أشخاصهم بأعيانهم، ومن هؤلاء الأنبياء والمرسلين، عليهم السلام، فالله تعالى أثنى على أنبيائه، عليهم السلام، الذين اصطفاهم من خلقه، فقال جل شأنه بحقهم: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ* إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ* وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ* وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الأَخْيَارِ}. (ص:45-48)
والرسول، صلى الله عليه وسلم، ذكر صنفاً من المفضلين على الناس حين ذكر المؤمن المجاهد دون تحديد أشخاص بعينهم، وفي أحاديث أخرى منحت الأفضلية لأشخاص بأعيانهم، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، فضل أبا بكر الصديق على سائر الصحاب الأخيار، فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رضي الله عنه، قال: (خَطَبَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الناس وقال: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بين الدُّنْيَا وَبَيْنَ ما عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ذلك الْعَبْدُ ما عِنْدَ اللَّهِ، قال: فَبَكَى أبو بَكْرٍ، فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عن عَبْدٍ خُيِّرَ، فَكَانَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، هو المُخَيَّرَ، وكان أبو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: إِنَّ من أَمَنِّ الناس عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كنت مُتَّخِذًا خَلِيلًا غير رَبِّي، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ وَمَوَدَّتُهُ، لا يَبْقَيَنَّ في الْمَسْجِدِ بَابٌ إلا سُدَّ إلا بَابَ أبي بَكْرٍ) (صحيح البخاري)
وفي حديث الرجل الذي يخرج للدجال ويحاوره، ويعلن عن كفره به، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، وصفه بأنه خَيْرُ الناس، أو من خَيْرِ الناس، فعن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَدِيثًا طَوِيلاً عن الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حدثنا بِهِ أَنْ قال: (يَأْتِي الدَّجَّالُ وهو مُحَرَّمٌ عليه، أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، ينزل بَعْضَ السِّبَاخِ التي بِالْمَدِينَةِ، فَيَخْرُجُ إليه يَوْمَئِذٍ، رَجُلٌ هو خَيْرُ الناس، أو من خَيْرِ الناس، فيقول: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الذي حدثنا عَنْكَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَدِيثَهُ، فيقول الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتَ إن قَتَلْتُ هذا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هل تَشُكُّونَ في الْأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لا فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فيقول: حين يُحْيِيهِ، والله ما كنت قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ، فيقول الدَّجَّالُ: أَقْتُلُهُ فلا أُسَلَّطُ عليه) (صحيح البخاري)

ادعاء الخيرية والفضل للنفس
نهى الله عز وجل عن زعم زكاة النفس وطهرها، فقال جل شأنه: {...فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (النجم: 32)
والتزكية المنهي عنها هي التي يمدح الإنسان فيها نفسه؛ لأنها تبنى على معيار التقوى، التي يعلمها الله وحده، وهو القائل جلّ شأنه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} (النساء: 49)
وكان أخيار الناس لا يَدَّعون الخيرية والفضل لأنفسهم، فعن مُحَمَّدِ بن الْحَنَفِيَّةِ، قال: (قلت لأَبِي أَيُّ الناس خَيْرٌ بَعْدَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال أبو بَكْرٍ: قلت: ثُمَّ من؟ قال: ثُمَّ عُمَرُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، قلت: ثُمَّ أنت، قال: ما أنا إلا رَجُلٌ من المُسْلِمِينَ) (صحيح البخاري)
مكتفين بهذه الومضات التي يسَّر الله تعالى عرضها في مجال بيان أفضل الناس عنده سبحانه، عسى أن يكون في تأملها دافع يحفز على انتهاج درب الأفاضل والأخيار، لنكون من زمرتهم بعون الله وتوفيقه، مع التأكيد على أن ما تمَّ عرضه كان في ضوء ما ورد بشأن أفضل الناس وخير الأمم في الآيات القرآنية وأحاديث خير البرية صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
3 رجب 1438هـ

تاريخ النشر  2017-03-31
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس