.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبين أركان الإسلام  

==========================================================

 عن ابن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس)
هذا الحديث له أهمية خاصة، لتعلقه بعقيدة الإسلام، وأبرز فروضه العملية، من هنا اعتبره بعض العلماء من الأحاديث التي يدور عليها مدار الإسلام، فعن ابن المديني، وعبد الرحمن بن مهدي: أن مدار الإسلام على أربعة أحاديث: (الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)، و(لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَث)، و(بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ)، و(البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ)(البدر المنير 1/662)

تشبيه الإسلام بالبناء
رسالة الإسلام جاءت مكملة للرسالات السماوية الأخرى، وكانت بمثابة لبنة أُكمل بها صرح النبوات، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ من قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا، فَأَحْسَنَهُ، وَأَجْمَلَهُ، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ من زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ الناس يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ له، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هذه اللَّبِنَةُ؟ قال: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وأنا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ)(صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم)
فالديانات مثل البناء، وكذلك الإسلام، والرسول، صلى الله عليه وسلم، يشبه في هذا الحديث الشريف أعلاه الإسلام بالبناء، الذي يقوم على دعائم خمس، يختل وجوده بفقدان أي منها، يقول أبو الحسن السندي: وهذا ظاهر في أنه لا بد من اجتماع هذه الأمور الخمسة؛ ليكون الإسلام سالماً عن خطر الزوال، وكلما زال واحد من هذه الأمور، يخاف زوال الإسلام بتمامه، وللتنبيه على هذا المعنى أتى بلفظ البناء، وفيه تشبيه الإسلام ببيت مخمسة زواياه، وتلك الزوايا أجزاؤه، فبوجودها أجمع، يكون البيت سالماً، وعند زوال واحد يخاف على تمام البيت.(حاشية السندي على سنن النسائي، 8/108)

تعريف مجمل بأركان الإسلام وأهميتها
يتضح من الحديث أعلاه أنه يحدد أركان الإسلام بخمسة، وقد جاء في مرقاة المفاتيح، أنه لتلازم الشهادتين شرعاً، جعلتا خصلة واحدة، ولا بد في صحة الإسلام من الإتيان بهما على التوالي والترتيب، وإقام الصلاة؛ أي المفروضة، وإيتاء الزكاة؛ أي إعطائها وتمليكها لمصارفها، والمراد بها الصدقة المكتوبة، والحج بفتح الحاء، وكسرها مصدران، وفي رواية (وحج البيت)؛ أي قصده لأداء النسك.
وصوم رمضان؛ أي أيامه، بشرائط وأركان معلومة، قيل: فيه حذف شهر، وفيه أن رمضان اسم للشهر، وقوله تعالى:
{شَهْرُ رَمَضَانَ}(البقرة: 185)، إضافته بيانية، قال النووي: ذكر البخاري هذا الحديث في مفتتح كتاب الإيمان؛ ليبين أن الإسلام يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان قد يكونان بمعنى واحد، وقال ابن حجر: وجه ذكر الأربعة الأخيرة
مع الشهادتين، وإن توقف الدخول في الإسلام عليهما فقط للتنبيه على تعظيم شأنها، وأنها أظهر شعائر الإسلام؛ إذ بها يتم الاستسلام، وبترك بعضها ينحل قيد الانقياد، ولم يذكر الجهاد؛ لأنه فرض كفاية إلا في بعض الأحوال، والكلام في فروض العين، التي هي أعظم شعائر الإسلام.(مرقاة المفاتيح 1/ 131- 132)

حصر هذه الأركان وترتيبها
بالنسبة إلى حصر الأركان بهذه، يقول العيني: إن وجه حصر أركان الإسلام في هذه الخمسة بأن العبادة إما قولية، وهي الشهادة، أو غير قولية، فهي إما تركي، وهو الصوم، أو فعلي، وهو إما بدني، وهو الصلاة، أو مالي، وهو الزكاة، أو مركب منهما، وهو الحج.
وفيما يتعلق بوجه الترتيب بين هذه الأركان، فالحكمة في ذلك، أن الإيمان أصل للعبادات، فتعين تقديمه، ثم الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ثم الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة، ثم الحج للتغليظات الواردة فيه ونحوها، فبالضرورة يقع الصوم آخراً.(عمدة القاري1/120)
وإلى جانب الحديث الصحيح أعلاه، جاءت روايات تؤكد تقدم ذكر الحج على الصوم، فعن ابن عُمَرَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال:(بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ؛ على أَنْ يُعْبَدَ الله، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)(صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس)
وهناك روايات صحيحة أخرى، تقدم فيها ذكر الصيام على ذكر الحج، فعن ابن عُمَرَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسَةٍ؛ على أَنْ يُوَحَّدَ الله، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالحَجِّ. فقال رَجُلٌ: الحَجُّ وَصِيَامُ رَمَضَانَ؟ قال: لا، صِيَامُ رَمَضَانَ وَالحَجُّ، هَكَذَا سَمِعْتُهُ من رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم)( صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس)
وقد اختلف العلماء في الجمع بين الروايات، بناء على اختلافهم في حكم رواية الحديث بالمعنى، أو لأن الصيام سبق الحج الذي فرض بعد السنة السادسة للهجرة، بينما فرض الصيام في السنة الثانية.
يقول صاحب مرقاة المفاتيح: وكلاهما صحيح، ولذا قدم البخاري كتاب الحج على الصوم، والجمهور أخروه عن جميع العبادات؛ لكون وجوبه يتعلق بآخر العمر.(مرقاة المفاتيح، 1/132)
سائلين الله العلي القدير أن يهدينا لنحافظ على أركان دينه القويم، كما حافظ عليها نبينا الكريم محمد بن عبد الله، عليه الصلاة، وأفضل التسليم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
20 شعبان 1440هـ

تاريخ النشر  2019-04-26
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس