.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبقي المسجد الأقصى في وجدان المسلمين وبؤرة اهتمامهم - الحلقة الثانية

==========================================================

 عن أَبي ذَرٍّ، رضي الله عنه، قال: (قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلَ؟ قال: المَسْجِدُ الحَرَامُ. قال: قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: المَسْجِدُ الأَقْصَى، قلت: كَمْ كان بَيْنَهُمَا؟ قال: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فإن الفَضْلَ فيه) (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب منه)
تم التذكير في الحلقة السابقة بحادثة إحراق المسجد الأقصى المبارك، التي مضى على اقترافها خمسون عاماً، وما زال هذا المسجد العظيم يتعرض للتدنيس، والاقتحامات، والاستهداف اليومي بالشر، ويحكى عن خطط جهنمية لتقسيمه زمانياً ومكانياً، تمهيداً لهدمه، وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، أو محل بعض مكوناته، وقد بينت الحلقة بعض تفاصيل حادث الحريق، والأضرار المادية التي نتجت عنه، من خلال الاستشهاد بتقرير صحفي توثيقي حول الحادثة المشؤومة، وشرع في الحلقة السابقة بلفت الانتباه إلى مكانة المسجد الأقصى المبارك في عقيدة المسلمين ووجدانهم، التي يحسن التذكير ببعض جوانبها في الذكرى الخمسين لإحراقه، وبخاصة مع بروز صيحات تتقاطع مع أفكار محتلي القدس، ومغتصبي حق المسلمين في المسجد الأقصى المبارك، مما يستدعي التذكير ببعض الحقائق الدينية الدامغة التي تعاضد مبدأ لزوم حماية المسجد الأقصى، والذود عن حياضه، وضرورة تحريره من غاصبيه، وفيما يأتي عرض مجمل لبعض تلك الحقائق.

شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك
في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، المثبت نصه في صدر الحلقة السابقة، ثلاثة أمور رئيسة: أولاها: الحث على شد الرحال إلى المساجد المذكورة فيه، ومن ضمنها المسجد الأقصى المبارك.
وثانيها: حصر شد الرحال التعبدي بهذه المساجد، دون سواها من مساجد الدنيا، يدل على عظمتها، وتميزها عن غيرها من المساجد، على الرغم من القداسة التي تحظى بها المساجد في الإسلام بشكل عام، فالذي يبني مسجداً لله، له جزاء عظيم عند رب العالمين، فالنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ، بَنَى اللهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ مِثْلَهُ) (صحيح مسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب فضل المساجد والحث عليها)
وثالثها: الربط الوثيق بين المساجد المذكورة فيما بينها، حيث يتساءل المتدبر بحديث حصر شد الرحال بهذه المساجد الثلاثة دون سواها من مساجد الخليقة، على ما لبعضها من مكانة وتاريخ وسعة وعظمة، فشد الرحال منحصر في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، مما يعني أن بين هذه المساجد الثلاثة قواسم مشتركة عظيمة، تتعدى صفة المسجدية، على ما لها من أحكام فقهية، ومكانة دينية، وحث عام على رعايتها وإعمارها، والتجمع فيها لإقامة الصلاة والشعائر التعبدية، فالمساجد الثلاثة فاقت هذه المعاني بميزة تشريع شد الرحال إليها طلباً لمزيد من المثوبة؛ أي إنها تقصد بالسفر إليها لنيل الأجر، وتحصيل الثواب، بينما المساجد الأخرى لا يختلف بعضها عن بعض من هذه الناحية، واشتراك المساجد الثلاثة بهذه الميزة، يوحي بعمق الصلة بينها، ويسمح بأن يفتى بتجريم من يفرط بأي منها، وأن الذي يفرط بأيها يكون كالمفرط بها جميعاً، وللتوضيح أكثر، فإن تعرض المسجد الأقصى للأسر، والتدنيس، والتهديد بمحوه عن الوجود، ينبغي لمسلمي الدنيا على مختلف قدراتهم ومسؤولياتهم أن يرفضوه، ويمنعوه بكل ما أوتوا من قوة، وإلا فالخطب جلل، والتهاون الذي يبديه بعض المسلمين تجاهه، سيسري لا قدر الله إلى صنويه، وذاك شر لا يتمناه مسلم ولا يقبل بحدوثه.

ثاني مسجد وضع في الأرض
في حديث أبي ذر، رضي الله عنه، المثبت نصه أعلاه، تأكيد آخر على المكانة التاريخية والدينية، التي يحتلها المسجد الأقصى في الإسلام، فهو ثاني مكان وضع في الأرض لعبادة الله، ولم يسبقه في ذلك سوى المسجد الحرام في مكة المكرمة، الذي أكد الله تعالى أسبقيته هذه، فقال عز وجل: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} (آل عمران: 96)
قال الطيبي: لفظ الحديث موافق للفظ الآية، والوضع غير، والبناء غير، ومعنى وضع الله جعله متعبداً. (فيض القدير 3/83)
ويقول الرازي: إنَّ الآية تدل على الأولية في الفضل والشرف. (التفسير الكبير، 8/127)
مما يدحض الدعايات المغرضة لمسوقي نظرية المحتلين الغاصبين والمدنسين للمسجد الأقصى المبارك، في زعم حق اليهود التاريخي في مكانه أو محيطه، فتلك نظرية واهية، تفتقر إلى الأدلة الصحيحة، وحديث السبق التاريخي للمسجد الأقصى المبارك في الوجود على وجه الأرض، يُبطل ما عداه من النظريات الخاطئة، التي تعارض هذا السبق، وأنه تلا المسجد الحرام في ذلك، يقول ابن حجر: قوله: (المسجد الأقصى) يعني مسجد بيت المقدس، قيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، وقيل لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة، وقيل لبعده عن الأقذار والخبائث، والمقدس المطهر عن ذلك. (فتح الباري، 6/408)
سائلين الله العلي القدير أن يحمي المسجد الأقصى من كل سوء وتدنيس وشر، وأن يهدي المسلمين جميعاً لحبه، والذود عنه، وأن يمكنهم من شد الرحال إليه استجابة لتوجيهات نبينا محمد، صلى الله وسلم، وبارك عليه وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.
29 ذو الحجة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-08-30
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس