.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبشر الصائمين بمقامهم في الآخرة  

==========================================================

 عن طَلْحَة بن عُبَيْدِ اللَّهِ، قال: (جاء رَجُلٌ إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، من أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، ولا يُفْقَهُ ما يقول، حتى دَنَا، فإذا هو يَسْأَلُ عن الإِسْلامِ، فقال رسول اللَّهِ، صلىالله عليه وسلم : خَمْسُ صَلَوَاتٍ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فقال: هل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: لا، إلا أَنْ تَطَوَّعَ، قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: وَصِيَامُ رَمَضَانَ، قال: هل عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قال: لَا، إلا أَنْ تَطَوَّعَ، قال: وَذَكَرَ له رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الزَّكَاةَ، قال: هل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: لا إلا أَنْ تَطَوَّعَ، قال: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وهو يقول: والله لا أَزِيدُ على هذا، ولا أَنْقُصُ، قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَفْلَحَ إن صَدَقَ)(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام)
يتضح من هذا الحديث الشريف أن صيام رمضان من الأركان الرئيسة، التي حين يحافظ المسلم على الالتزام بها، على الوجه المشروع، تضمن له النجاة في الآخرة، والفوز بالجنة، حتى إن الرسول، صلى الله عليه وسلم، حثَّ في رواية صحيحة أخرى من يرغب في النظر إلى شخص من أهل الجنة بالنظر إلى هذا الشخص، الذي تعهد بأداء فرائض الإسلام، دون أن يزيد عليها، حيث قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (من سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ من أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هذا)(صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة)

الفوز والنجاة بأداء الأركان
مما يدل عليه هذا الحديث أن العبرة ليست بكميات الأفعال والقربات بقدر ما هي بنوعيتها وأنواعها، فالفرائض والأركان العظيمة، التي تؤدى بصدق وإخلاص، وعلى الوجه المشروع دون نقص ولا زيادة، ترتقي بمؤديها إلى أن ينال النجاح في امتحان الآخرة، وما أدراك ما هو؟ يوم توفى كل نفس ما كسبت، وتشهد على الإنسان جوارحه بما كان يقول ويفعل، مصداقاً لقوله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(يس: 65)، ويقول عز وجل: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً* اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً}(الإسراء:13-14)
فالذي يؤدي أركان الإسلام على الوجه السليم، يضمن لنفسه مقاماً محموداً في الآخرة، يوم يؤتى الناس كتب أعمالهم، فيفوز آخذوها بأيمانهم، ويخسر الذين يأخذونها بشمائلهم، حيث يقول تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ* فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ* إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ* خُذُوهُ فَغُلُّوهُ*ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ* إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ* فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ* وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ* لا يَأْكُلُهُ إِلا الخَاطِؤُونَ}(الحاقة:18-37)
فلا غرابة من بشارة النبي، صلى الله عليه وسلم، لمن التزم بأداء أركان الإسلام دون سواها من فضائل الأعمال، إذ المحافظة على حسن أدائها، يعني الاستقامة على صراط الله القويم، وقد حرص عقلاء الخلق ومؤمنوهم على العمل وفق هذه الصراط ليفوزوا بالجنة، وينجوا من النار، فعلى لسان نبي الله وخليله إبراهيم، عليه السلام، يقول عز وجل: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ* وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ* وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ* وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ* يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ* إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ* وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ* وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} (الشعراء:84-91)

خصائص للصائمين
الشواهد القرآنية سالفة الذكر إضافة لحديث طلحة بن عبيد الله، تدل على مقام عباد الله المخلصين في الآخرة، ومنهم الصائمون الذين تم تذكيرهم في الحلقة السابقة بوعد الصائمين المحتسبين أن يغفر الله لهم ما تقدم من ذنوبهم، وما تأخر، ووعدوا بأن يدخلوا الجنة من باب الريان، الذي خصص لهم، ولم يقتصر اختصاص الصيام على هذا التخصيص، بل إن الله تعالى خص نفسه بالصيام وجزائه، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (كُلُّ عَمَلِ بن آدَمَ له، إلا الصَّوْمَ، فإنه لي، وأنا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ من رِيحِ المِسْكِ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الصوم في سبيل الله)، وإضافة لذلك فالصائمون وعدوا بمباعدة وجوههم عن النار، فعن أبي سَعِيدٍ، رضي الله عنه، قال: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: (من صَامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عن النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا) (صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب ما يؤكد في المسك)
باعد الله وجوهنا والمؤمنين والمؤمنات عن النار، وأعاننا الله على صيام رمضان، وحسن قيامه، على الوجه الذي يرضيه سبحانه، على سنة نبينا الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
5 رمضان 1440هـ

تاريخ النشر  2019-05-10
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس