.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبشر الصائمين بجوائزهم  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (يقول الله عز وجل: الصَّوْمُ لي، وأنا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ، وَأَكْلَهُ، وَشُرْبَهُ من أَجْلِي، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ حين يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حين يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ من رِيحِ الْمِسْكِ) (صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله(الفتح: 15)
يخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه هذا عن رب العزة سبحانه بشراه للصائمين، الذين استجابوا لأمره، فأمسكوا عن مفطرات مباحة لغير الصائمين، إيماناً واحتساباً وعملاً بمقتضى التكليف الرباني.
وامتثال الصائم للأمر بالصيام، قابله الله جل في علاه بجزاء وافر، تعددت صوره وأشكاله، التي منها إعلان الله عن توليه جزاء الصائمين بنفسه، وقوله في الحديث أعلاه: (الصَّوْمُ لي، وأنا أَجْزِي بِهِ) هو من كلام الله عز وجل، وهو من رواية النبي، صلى الله عليه وسلم، عن ربه عز وجل. (فتح الباري، 10/369)
وعن العيني أن قوله: (وأنا أجزي به) بيان لكثرة ثوابه؛ لأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء، اقتضى عظمته وسعته، وقال الكرماني: تقديم الضمير للتخصيص، أو للتأكيد والتقوية، ويرى العيني أن الكلام يحتملهما، لكن الظاهر من السياق الأول؛ أي أنا أجازيه لا غيري، بخلاف سائر العبادات، فإن جزاءها قد يفوض إلى الملائكة، وقد كثر القول في معنى: (الصَّوْمُ لي، وأنا أَجْزِي بِهِ)، وملخصه أن الصوم لا يقع فيه الرياء، كما يقع في غيره؛ لأنه لا يظهر من ابن آدم بفعله، وإنما هو شيء في القلب. (عمدة القاري، 10/259)

فرحتا الصائم
يبين الحديث أعلاه أن من جزاء الصائمين فرحهم فرحتان، إحداهما عند الفطر، والأخرى عند لقاء الله، ونيل جزائه، فقوله: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ حين يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حين يَلْقَى رَبَّهُ) يدل على تمتع الصائم بفرحتين بسبب صيامه، إحداهما حين يفطر، وذلك يشمل الفطر بعد غروب شمس كل يوم يصوم العبد نهاره، ويشمل كذلك الانتهاء من صيام شهر رمضان، بدخول الأول من شوال، وهو يوم عيد الفطر، فبعد الطاعة لله، بالإمساك عن المفطرات، يطيع الصائم ربه بالإفطار، حيث يحرم الصيام يوم العيد، لنهييه صلى الله عليه وسلم، عن ذلك، بقوله: (ولا صَوْمَ في يَوْمَيْنِ؛ الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى) (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم النحر)، كما ورد النهي عن مواصلة الصيام دون إفطار، فعن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: (نهى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عن الْوِصَالِ، قالوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قال: إني لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إني أُطْعَمُ وَأُسْقَى) (صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام)
والممنوع حين يرفع عنه الحظر، يبتهج ويفرح، فكيف إذا توج رفع الحظر بجزاء وليس أي جزاء، وإنما مثوبة من رب العالمين، الذي يطعم ويسقي، وفي فتح الباري أن قوله يفرحهما أصله يفرح بهما، فحذف الجار، ووصل الضمير، كقوله صام رمضان؛
أي فيه، قال القرطبي: معناه فرح بزوال جوعه وعطشه، حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي، وهو السابق للفهم، وقيل: إن فرحه بفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه، وخاتمة عبادته، وتخفيف من ربه، ومعونة على مستقبل صومه، ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر، ففرح كل أحد بحسبه، لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحاً، وهو الطبيعي، ومنهم من يكون مستحباً، وهو من يكون سببه شيئاً مما ذكره، قوله: (وإذا لقي ربه فرح بصومه) أي بجزائه وثوابه، وقيل: الفرح الذي عند لقاء ربه، إما لسروره بربه، أو بثواب ربه، على الاحتمالين، والثاني أظهر إذ لا ينحصر الأول في الصوم، بل يفرح حينئذ بقبول صومه، وترتب الجزاء الوافر عليه. (فتح الباري، 4/118)

جزاء وافر ونعيم مقيم
من وصف جزاء أهل الجنة، ومنهم الصائمون المحتسبون، ما جاء في أوائل سورة البقرة، حيث يقول جل شأنه: {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(البقرة: 25)، فطوبى لكم معشر الصائمين جزاؤكم وفرحكم بفطر ولقاء ربكم، طوبى وحسن مقام.
وفي الحديث القدسي ورد التشويق لما في الجنة من نعيم، حيث التميز والسعة، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: (قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال الله: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، فاقرءوا إن شِئْتُمْ: {فلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ}) (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة)
والآية الكريمة المذكورة في التعقيب على الوعد الرباني المذكور في هذا الحديث، هي من سورة السجدة، ونصها:{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. (السجدة: 17)
ومن الأحاديث الصحيحة التي وصفت نعيم الجنة، ما رواه أبو هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: (قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ، صُورَتُهُمْ على صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لا يَبْصُقُونَ فيها، ولا يَمْتَخِطُونَ، ولا يَتَغَوَّطُونَ آنِيَتُهُمْ فيها الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ من الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ منهم زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا من وَرَاءِ اللَّحْمِ من الْحُسْنِ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ ولا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة)

دخول الجنة من باب الريان
مما امتاز به جزاء الصائمين، تخصيص باب في الجنة لهم، ليدخلوها منه دون سواهم، فإذا ما انتهوا أغلق دون سواهم، فعن سَهْلٍ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّ في الْجَنَّةِ بَابًا، يُقَالُ له الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصَّائِمُونَ يوم الْقِيَامَةِ، لا يَدْخُلُ منه أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لا يَدْخُلُ منه أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فإذا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فلم يَدْخُلْ منه أَحَدٌ) (صحيح البخاري)
ولا يخفى أن خص الصائمين بباب من أبواب الجنة، فيه من التكريم، والاحتفاء بهم ما فيه، فهم المكرمون، الذين وعدهم رب العزة مع ثلة من أصناف الأخيار مغفرة وأجراً عظيماً، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ
وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب: 35)

غفران الذنوب بالصيام والقيام
من أبرز جزاء الصائمين الذي يتطلعون لنيله، أن يغفر الله ذنوبهم، ويمحو خطاياهم، فرمضان فيه من النفحات التي تحقق لهم ذلك، مصداقاً لقول الرسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (من صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ) (صحيح البخاري)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من قام رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ) (صحيح البخاري) وقوله صلى الله عليه وسلم: (من يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ) (صحيح البخاري)
فهنيئاً للذين صاموا رمضان إيماناً واحتساباً، وبخاصة تلك الجموع الحاشدة منهم، التي شدت الرحال إلى المسجد الأقصى، للصلاة فيه، وإعماره بالصلاة، والقيام، والاعتكاف، والمرابطة في جنباته، والذين شدوا رحالهم إلى بيت الله العتيق معتمرين، حيث العمرة في رمضان تعدل حجة تطوع، فعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: (لَمَّا رَجَعَ النبي، صلى الله عليه وسلم، من حَجَّتِهِ، قال لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: ما مَنَعَكِ من الحَجِّ؟ قالت: أبو فُلانٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كان له نَاضِحَانِ، حَجَّ على أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لنا، قال: فإن عُمْرَةً في رَمَضَانَ، تَقْضِي حجةً، أو حَجَّةً مَعِي). (صحيح البخاري)
سائلين الله العلي القدير أن يتقبل صيامنا وقيامنا وصلاتنا، وأن يعتق رقابنا والمؤمنين والمؤمنات من النار، وأن يدخلنا وإياكم الجنة بسلام، بصحبة رسولنا الأكرم، صلى الله عليه وسلم، وعلى أزواجه وآله وأصحابه ومن تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.
28 رمضان 1438هـ

تاريخ النشر  2017-06-23
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس