.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبشر الحجاج والمعتمرين

==========================================================

 عن رَسُول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (الْعُمْرَةُ إلى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ الْمَبْرُورُ ليس له جَزَاءٌ إلا الْجَنَّةُ)(صحيح البخاري، كتاب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها)
من نفحات الله، ومننه على عباده أنه يتيح لهم فرصاً للإنابة إليه، والتحلل من الأوزار، التي وقعوا في شباكها، ومن الأعمال العظيمة التي يكفر بها سبحانه ذنوب المخطئين، العمرة والحج، وفي الحديث أعلاه بيان واضح لدور العمرة في تكفير الذنوب، حيث يمتد أثرها بهذا الخصوص إلى العمرة التي تليها، أما الحج المبرور الخالي من الرفث والفسق والجدال، فجزاؤه الجنة، وأنعم به من جزاء وأكرم!
ورد في شرح الزرقاني، أن ظاهر الحديث أعلاه أن العمرة الأولى هي المكفرة؛ لأنها التي وقع الخبر عنها أنها تكفر، ولكن الظاهر من جهة المعنى أن العمرة الثانية هي المكفرة لما قبلها إلى العمرة السابقة، فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر، وقيل: الأظهر أنه خرج مخرج الحث على العمرة، والإكثار منها؛ لأنه إذا حمل على غير ذلك، يشكل بما إذا اعتمر مرة واحدة، إذ يلزم عليه أن لا فائدة لها؛ لأن فائدتها وهو التكفير مشروط بفعلها ثانية، إلا أن يقال لم تنحصر فائدة العبادة في تكفير السيئات، بل يكون فيها، وفي ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، كما ورد في بعض الأحاديث من فعل كذا، كتب له كذا حسنة، ومحيت عنه كذا سيئة، ورفعت له كذا درجة، فتكون فائدتها إذا لم تكرر ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، وقيل: إذا لم تكرر كفر بعض ما وقع بعدها، لا كله، والله أعلم، بقدر ذلك البعض.
والحج المبرور، قال ابن عبد البر: قيل: هو الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولا رفث، ولا فسوق، ويكون بمال حلال، وقيل: هو المقبول، وعلامته أن يرجع خيراً مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي، وقال القرطبي: الأقوال المذكورة في تفسيره متقاربة، وهي أنه الحج الذي وٌفيت أحكامه، ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
وقيل: الأظهر أنه الذي لا معصية بعده، لقوله في الحديث الآخر: (من حَجَّ هذا الْبَيْتَ، فلم يَرْفُثْ، ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ كيوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)(صحيح البخاري)، إذ المعنى حج، ثم لم يفعل شيئاً من ذلك، ولهذا عطفه بالفاء المشعرة بالتعقيب، وإذا فسر بذلك كان الحديثان بمعنى واحد، وتفسير الحديث بالحديث أولى، ويكون الرجوع بلا ذنب، كناية عن دخول الجنة مع السابقين، وقوله: (ليس له جزاء إلا الجنة)؛ أي لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بد أن يدخل الجنة.(بتصرف عن شرح الزرقاني، 2/359- 360)

منزلة الحج المبرور في سلم فضائل الأعمال
الحج ركن رئيس من أركان الإسلام، لقوله صلى اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (بُنِيَ الإِسْلامُ على خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رسول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)(صحيح البخاري)
وبالحج يرجع العبد من ذنوبه كيوم ولدته أمه، والحج يجب ما قبله من الذنوب والخطايا، فعن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: (...وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ ما كان قَبْلَهُ...)(صحيح مسلم)
والحج يحتل منزلة رفيعة بين سائر فضائل الأعمال وأسماها، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: (سُئِلَ النبي، صلى الله عليه وسلم، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال: جِهَادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قال حَجٌّ مَبْرُورٌ) (صحيح البخاري)
والله يبعث من يموت في الحج ملبياً، فعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عَنْهُمْا، قال: (بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عن رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أو قال: فَأَوْقَصَتْهُ، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، ولا تُحَنِّطُوهُ، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنه يُبْعَثُ يوم القِيَامَةِ مُلَبِّيًا)(صحيح البخاري)

مباهاة الرحمن بضيوف بيته العتيق
أصحاب الأعمال السامية الذين يُعتبرون من وفود الرحمن، منهم الحاج، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، يقول، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (وفد الله ثلاثة؛ الغازي، والحاج، والمعتمر)(المستدرك على الصحيحين، 1/608، وقال:هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وصححه الألباني)
ومن فضائل الحج، ومنازل الحجاج، أن الله تعالى يباهي بالحجاج ملائكته، فعن ابن المُسَيَّبِ، قال: (قالت عَائِشَةُ أن رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: ما من يَوْمٍ أَكْثَرَ من أَنْ يُعْتِقَ الله فيه عَبْدًا من النَّارِ من يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ المَلائِكَةَ، فيقول: ما أَرَادَ هَؤُلاءِ)(صحيح مسلم)
فيا لها من مكارم ومنازل، أعدها الله لمن قصده حاجاً ملبياً متطهراً من ربق الخطايا، راجين أن نكون من زمرة الذين يباهي الله بهم ملائكته، ويعتق رقابهم من نار السعير، ويسقيهم من حوض نبيه الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وبارك، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.
16 ذو الحجة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-08-16
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس