.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يبدأ يوم العيد بالصلاة  

==========================================================

 عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قال: (كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَخْرُجُ يوم الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إلى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ الناس، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ على صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كان يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أو يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ) (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر)
تأسياً بالرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، يحتفل المسلمون في أنحاء الدنيا اليوم بحلول اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك، الذي نسأل الله أن يجعله عيد يمن وخير وبركة عليهم، أينما حلوا ووجدوا، ومن الجدير استذكاره في هذا المقام أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، علم المسلمين بسلوكه يوم العيد أن يبدأوه بطاعة الله وعبادته، فكان أَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ يوم العيد الصَّلاةُ، وتلك لعمري إشارة ساطعة على أهمية التقرب إلى الباري سبحانه بهذه العبادة، التي هي عمود الدين، فالعيد الذي هو مناسبة للسرور والابتهاج، يبدأه المسلم بأداء صلاة العيد، ليكمل يومه في سرور عنوانه الطاعة، وإطاره القربة، حتى إن الوعظ الديني المتمثل في خطبة العيد، وما يتبعها، يكون له نصيب مميز من صباح يوم العيد، مما يدل على أهمية التواصل مع الدين وأحكامه في الظروف والأحوال جميعها، فلا وقت للغفلة عن ذلك، بل إن الأمة الجادة لا تتغافل عن أداء واجباتها الدينية المتمثلة في حماية حياضها، والإبقاء على حالة الاستعداد لمواجهة المتربصين بها، في العيد وغيره من سائر الأيام، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد أداء شعائر صلاة العيد وخطبته، كان يسير الجيوش، للقيام بواجبها العسكري، ولم يدع مناسبات الأعياد وغيرها أن يحل فيها الاسترخاء مكان الجد والحذر.

خروج النساء إلى مصلى العيد ووعظهن
من سنن العيد أن يهب المسلمون إلى المشاركة في شعائره، حسب السنة الواردة عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولم يقتصر ذلك على شريحة معينة منهم دون سواها، بل السنة المطهرة تقتضي مشاركة جموع المسلمين ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً في الخروج إلى مصلى العيد، فعن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالت: (كنا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يوم الْعِيدِ، حتى نُخْرِجَ الْبِكْرَ من خِدْرِهَا، حتى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ الناس، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذلك الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ) (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة)
فيا لها من سنة تحترم حضور المرأة حتى وهي في ظرف لا تتمكن مع وجوده من أداء الصلاة، فلها في الحضور إلى مصلى العيد بركة وفوائد، يغفل عنها كثير من المسلمين، فالدين والعبادة لا يطلبان من رجال المسلمين دون نسائهم، بل يطلبان منهما على حد سواء، والنساء في الإسلام شقائق الرجال، يخرجن من بيوتهن ملتزمات بأحكام الشرع وآدابه لأداء الواجبات التي تناط بهن غير متبرجات، فلهن دور مهم في الحياة العملية والتعبدية واستمرارية الوجود الإنساني، لا يقل قدره عما يؤديه الرجال في مواقعهم، فالأدوار بين الرجال والنساء في الإسلام تكاملية، في النواحي جميعها، في البيوت والعمل والتربية والحرث والنسل، لا يستغنى شطرهم عن الآخر، فالحث على شهود النساء صلاة العيد وسماع خطبتها، دليل جلي على هذه المؤشرات، بل كان عليه الصلاة والسلام يخصهن بعد أداء صلاة العيد وخطبتها بوعظ خاص، فعن ابن عَبَّاسٍ قال: خَرَجْتُ مع النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم فِطْرٍ أو أَضْحَى، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أتى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب خروج الصبيان إلى المصلى)

الهدي والأضاحي
العاشر من ذي الحجة، هو يوم النحر، الذي قال فيه سبحانه: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (الكوثر: 2)
فالحاج في هذا اليوم ينحر الهدي الذي ساقه إلى البيت الحرام، أو يذبحه، إن كان قارناً، بين العمرة والحج، والمتمتع الذي اعتمر ثم تحلل، وعاد فأحرم للحج يقوم بالنحر، أو الذبح اللازم مثل القارن، لكن دون أن يسوق الهدي، والحاج المفرد الذي نوى الحج فحسب، يتطوع بنحر الهدي أو ذبحه في هذا اليوم ليس على صفة الإلزام، أما غير الحجاج فيؤدون صلاة العيد، ثم ينحرون أضاحيهم أو يذبحونها، متأسين بالسنة الثابتة، فعن أَنَس بن مَالِكٍ، رضي الله عنه، قال: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وأنا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ). (صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب في أضحية النبي، صلى الله عليه وسلم، بكبشين أقرنين ويذكر سمينين)
ويسن للمضحي أن يذبح أضحيته بنفسه، فعن أنس قال: (ضَحَّى النبي، صلى الله عليه وسلم، بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ على صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بيده) (صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح الأضاحي بيده)

وقت الأضحية
يبدأ وقت الأضحية بعد صلاة يوم النحر، فعن الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ، قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَوَّلَ ما نَبْدَأُ في يَوْمِنَا هذا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذلك، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قبل الصَّلاةِ، فَإِنَّمَا هو لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، ليس من النُّسْكِ في شَيْءٍ، فقال رَجُلٌ من الأَنْصَارِ- يُقَالُ له أبو بُرْدَةَ بن نِيَارٍ-: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ من مُسِنَّةٍ، فقال: اجْعَلْهُ مَكَانَهُ، وَلَنْ توفي أو تَجْزِيَ عن أَحَدٍ بَعْدَكَ) (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد)
ويمتد وقت الذبح إلى آخر أيام التشريق، وهو اليوم الرابع من أيام عيد الأضحى المبارك، ولا فرق بين من ذبح في ليل أو نهار.
والأضحية تنحصر في الأنعام من الإبل والبقر والغنم، والشاة تكفي عن أهل بيت واحد، والبقر والإبل يكفي كل منها لسبعة أشخاص، ويشترط في الأضحية السلامة من العيوب؛ كالعرج، والمرض، والعور، والهزال، وكذلك السن الشرعية، فإذا تعذر ذلك؛ فتجوز التضحية بالجذع، بحيث إذا خلط مع الكبار خفي، ويجوز من الضأن ما أتمّ ستة شهور.

صلة الرحم وذوي القربى
صلة الرحم والأقارب من أفضل الأعمال التي يتقرب بها المسلم إلى ربه عز وجل، ومن الأحاديث الصحيحة الواردة بالخصوص، ما رواه أَنَس بن مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (من أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ له في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم) وذلك يكون بمناسبة وغيرها، والعيد فرصة ذهبية لتعزيز التواصل مع ذوي الأرحام والأقارب.

يوم النحر والأضحى إحياء لسنة عريقة
يستذكر المسلمون يوم الأضحى والنحر قصة نبي الله إسماعيل، الذي فداه الله بذبح عظيم، ووالده إبراهيم، عليهما السلام، حيث أسلما وجهيهما لله، وانقادا لأمره، وقد قص علينا القرآن الكريم قصتهما بالخصوص، فقال تعالى:{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآَخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} (الصافات: 102- 110)، فقد كان من إبراهيم وولده إسماعيل الطاعة المطلقة لله تعالى، وكان من الله جل شأنه الفداء بالذبح العظيم، وجرت هذه السنة الطيبة المباركة منذ ذلك الحين، وانتقلت إلى سنة نبينا وأسوتنا محمد، صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول:{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}(آل عمران: 68)، ويقول تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ}. (الحج: 78)
سائلين الله العلي القدير أن يتقبل من الحجاج حجهم وهديهم، وأن يردهم إلى أهليهم سالمين غانمين بعفو الله ومغفرته ورضاه، وأن يتقبل أضاحي المسلمين، ويجعلها في ميزان حسناتهم يوم الدين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على خاتم النبيين محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
10 ذو الحجة 1438هـ

تاريخ النشر  2017-09-01
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس