.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يؤكد على مكانة المسجد الأقصى المبارك في الإسلام

==========================================================

 عن أبي ذَرٍّ، قال:(قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلُ؟ قال: المَسْجِدُ الحَرَامُ، قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى، قلت: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قال: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ فَصَلِّ، فَهُوَ مَسْجِدٌ)(صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة)
المرة تلو المرة دون ملل ولا كلل، تنبغي مواصلة تذكير العالمين إنسهم وجنهم، عربهم وعجمهم، مؤمنهم وكافرهم، الصديق والعدو، بمكانة المسجد الأقصى المبارك في عقيدة الإسلام وتاريخه وتراثه وشريعته وقلوب أتباعه، الذين بقوا على العهد مع ربهم، مستقيمون على دينه، متمسكون بسنة نبيه محمد بن عبد الله، خاتم النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وسلم، دون أن تلين لهم قناة، أو يتزعزع لهم قلب، أو تفتر لهم عزيمة، حيال التمسك بالمسجد الأقصى المبارك، رغم أنف المكيدين له بالشر، والمتربصين بهم وإياه الدوائر، ممن يريدون إقامة معابدهم على أنقاضه، وأضحوا يعلنون عن خططهم العدوانية نحوه جهاراً نهاراً، غير آبهين بأحد، ولا معتبرين للسلم العالمي أي اعتبار، ومتجاهلين الحقائق التاريخية، كالتي يخبر عنها الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديثه أعلاه، فالمسجد الأقصى المبارك لحق المسجد الحرام، الذي كان أول مسجد وضع في الأرض لعبادة الله، ثم بعد أربعين عاماً وضع المسجد الأقصى المبارك في الأرض ليعبد الله فيه.

أُسري به إليه
من أبرز جوانب المكانة المرموقة للمسجد الأقصى المبارك أنه أسري بالنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، إليه من المسجد الحرام في مكة المكرمة، والقرآن الكريم ساق خبر هذه الحادثة العظيمة في فاتحة السورة المسماة بها، فقال عز وجل:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (الإسراء: 1)، وعادة ما يتكرر التنويه عند الحديث عنها إلى مغزى اختيار المسجد الأقصى المبارك وجهة للإسراء، فإذا كان الأمر متعلقاً بالمعراج، فكان يمكن حصوله من مكة مباشرة، دون القيام برحلة الإسراء، التي تمت بفعل الله وقدرته وإرادته سبحانه، ولم تكن بفعل النبي، صلى الله عليه وسلم.
فالمسجد الأقصى المبارك، سُطر اسمه الواضح في صدارة سورة قرآنية، وارتبط بحادثة ذات قدر عظيم في عقيدة الإسلام، وما وجد المشككون والمروجون للأراجيف الباطلة، سوى زعم كاذب أن المقصود بالمسجد الأقصى غير الذي في القدس، ليخدموا بذلك تطلعات الساعين لحرف أنظار المسلمين وقلوبهم عن مسجدهم العريق، الذي له مكانة متجذرة في عقيدتهم ونفوسهم وقلوبهم، وما درى هؤلاء وأولئك أن كيدهم سيرتد إلى نحورهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

القبلة الأولى
لو لم تكن للمسجد الأقصى المبارك ميزة سوى أنه كان قبلة لصلاة المسلمين، لكفى دلالة على أهميته في دين الإسلام، فالصلاة عمود الدين، واختيار قبلتها نحو المسجد الأقصى فيه من مؤشرات الأهمية ما فيه، وقد تحدث القرآن الكريم عن القبلتين، وأخبرت عنهما السنة النبوية المطهرة، فعن البَرَاءِ: (أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، كان أَوَّلَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ على أَجْدَادِهِ، أو قال: أَخْوَالِهِ من الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صلى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكان يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صلى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلاهَا، صَلاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى معه قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صلى معه، فَمَرَّ على أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ، فقال: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لقد صَلَّيْتُ مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كما هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتْ الْيَهُودُ قد أَعْجَبَهُمْ، إِذْ كان يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فلما وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، أَنْكَرُوا ذلك، قال زُهَيْرٌ: حدثنا أبو إِسْحَاقَ عن البَرَاءِ في حَدِيثِهِ هذا، أَنَّهُ مَاتَ على الْقِبْلَةِ قبل أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ، وَقُتِلُوا، فلم نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {وما كان الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ})(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان)

أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها
لم يكتف النبي، صلى الله عليه وسلم، بالتنبيه الذهني إلى أهمية المسجد الأقصى المبارك، بل حثَّ المسلمين، وشجعهم للتقرب إلى ربهم، بأداء ممارسة عملية تدعم الإقرار بأهمية المسجد الأقصى المبارك، وذلك من خلال الحثّ على شد الرحال إليه، وربطه بأعظم مسجدين في الإسلام، في حصر شد الرحال إليه وإياهما بقصد التعبد لله، والتقرب إليه سبحانه، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ؛ المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ، صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)(صحيح البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)
فهذا تذكير يسّر الله إليه بمكانة المسجد الأقصى المبارك في دين الإسلام العظيم، ليعلمها القاصي والداني، وليدركوا أن التنكر لها يعني فتح أبواب شر عظيم، ونار جحيم، والذي نرجوه الآن وفي كل حين أن يحفظ الله المسجد الأقصى، والمرابطين في جنباته وأكنافه، والشادين الرحال إليه؛ استجابة لحث نبيهم الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
19 صفر 1441هـ

تاريخ النشر  2019-10-18
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس