.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يؤكد على أهمية أداء العبادة التطوعية - الحلقة الخامسة والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: (يا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سمعت دَفَّ نَعْلَيْكَ بين يَدَيَّ في الْجَنَّةِ، قال: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي، أَنِّي لم أَتَطَهَّرْ طَهُورًا في سَاعَةِ لَيْلٍ أو نَهَارٍ، إلا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ ما كُتِبَ لي أَنْ أُصَلِّيَ، قال أبو عَبْد اللَّه:ِ دَفَّ نَعْلَيْكَ، يَعْنِي تَحْرِيكَ) (صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار)
في الحلقة السابقة تم التطرق إلى مسألة تشجيع المداومة على أداء العبادة التطوعية، في سياق انتقاد الذي يتراجع عن أداء عبادة تطوعية سبق إن اعتاد على أدائها، كصلاة قيام الليل، التي انتقد الرسول، صلىالله عليه وسلم ، من يتركها بعد تعود أدائها، وقد ذم الله تعالى قوماً أكثروا العبادة، ثم فرطوا فيها، وأنكر سبحانه سلوك الذين قست قلوبهم وقد طال عليهم الأمد، وتعرضت الحلقة إلى الاستعانة بالاعتدال على ديمومة أداء النوافل، في ضوء سنة النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي أكد على أن من رغب عن سنته فليس منه.
وفي الحديث الشريف أعلاه، بيان لفضل نوع آخر من العبادة التطوعية، ارتقت بمؤديها إلى نيل منزلة رفيعة في الجنة، بصحبة النبي، صلى الله عليه وسلم، الذي لفت الانتباه إلى هذا الفضل، بأسلوب مشوق، حين سأل بلال بن رباح، رضي الله عنه، عن أَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْهُ في الْإِسْلَامِ، عساه يكون السر الكامن في سماعه دف نعليه بين يديه في الجنة، ومن شرح العلماء للمراد بقوله: (دف نعليك) أن الدف الحركة الخفيفة، والسير اللين. (فتح الباري، 3/34)
وجاء في مرقاة المفاتيح أن المراد صوتهما عند المشي فيهما، ولعل في صورة التقديم إشارة إلى أنه عمل عملاً خالصاً، ولذا خصَّ من بين عموم الخدام بسماع دف نعليه، المشير إلى خدمته وصحبته له، عليه الصلاة والسلام، في الدارين. والعمل الذي بلغ ببلال هذه المنزلة، أنه لم يكن يتطهر طهوراً- ويشمل هذا الوضوء والغسل والتيمم- إلا صلى به ما قدر الله تعالى له من النوافل (مرقاة المفاتيح، 3/362)، مما يعني أن التطوع بالنوافل ينفع المتطوع عند ربه، فينال بها منازل رفيعة عنده سبحانه.

التطوع بالعبادة وفق الوسع والطاقة
لم يقيد، صلى الله عليه وسلم، المسلمين من بعده بأداء النوافل التي كان يؤديها جميعاً، أو يحث عليها، بل ترك لهم أخذ ما يطيقون ويستطيعون، فعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَتْ: فُلاَنَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا، قَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ) (صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله عز وجل أدومه)
وفي شرح هذا الحديث، أن قوله: (مه) زجر، ويحتمل أن يكون لعائشة، والمراد نهيها عن مدح المرأة، ويحتمل أن يكون المراد النهي عن تكلف عمل لا يطاق به، ولهذا قال بعده: (عليكم من العمل ما تطيقون) وقوله: (من العمل) يحتمل أن يريد به صلاة الليل؛ لوروده على سببه، ويحتمل أن يحمل على جميع الأعمال، وقوله: (بما تطيقون) قال القاضي: الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، وهو أنسب للسياق، وقوله: (عليكم من العمل بما تطيقون) فيه عدول عن خطاب النساء، إلى خطاب الرجال، وكان الخطاب للنساء، فيقتضي أن يقال عليكن، ولكن لما طلب تعميم الحكم لجميع الأمة، غلب الذكور على الإناث في الذكر، وقوله: (فو الله لا يمل الله حتى تملوا) فيه المشاكلة والازدواج، وهو أن يكون إحدى اللفظتين موافقة للأخرى، وإن خالفت معناها.
والحاصل أن الملال لا يجوز على الله تعالى، ولا يدخل تحت صفاته؛ لأنه ترك الشيء استثقالاً، وكراهية له، بعد حرص ومحبة فيه، وهو من صفات المخلوق، فلا بد من تأويل، اختلف العلماء فيه، فقيل معناه أنه لا يترك الثواب على العمل، ما لم يترك العمل، وذلك أن من مل شيئاً تركه، فكنى عن الترك بالملال، الذي هو سبب الترك. (عمدة القاري،1/257)
مما سبق عرضه في هذه الحلقة وسابقاتها، يظهر أن أداء الأوامر الشرعية، يكون في إطار الوسع والطاقة، فكيف إذن بالنوافل والتطوع، مما لا يندرج ضمن الواجبات؟! فبحر هذه المنظومة التعبدية واسع وعميق، ينهل منه العابد ليس وفق الاستطاعة فحسب، بل وفق الهمة والرغبة كذلك، فمن رغب في نيل مزيد من الفضل، ورفعة المقام والمنازل، يتزود بالمزيد من النوافل، على درب المصطفى العدنان، الذي كانت تتفطر قدماه من القيام في أداء النوافل، وهو يعلم أنه غفر له، وفي المقابل كان يصوم ويفطر، ويصلي وينام، وتوعد الراغبين عن سنته بأن لا يكونوا من صحبه، ولا مريديه، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الكرام، وأزواجه الطاهرات، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.
7 ذو القعدة 1439هـ

تاريخ النشر  2018-07-20
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس