.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يؤكد على أهمية أداء العبادة التطوعية - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ قال: من عَادَى لي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلي عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلي مِمَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلي بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ، كنت سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، وَرِجْلَهُ التي يَمْشِي بها، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيْءٍ أنا فَاعِلُهُ، تَرَدُّدِي عن نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وأنا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع)
يبين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة سبحانه أهمية العبادة التطوعية للعابد، والتي يطلق عليها مسمى النافلة، التي تلحق بالفرائض في الفضل، وما فرضه الله يطلب من القادر عليه على وجه التحديد، وهو أحب عبادة إلى الله يتقرب بها العابد إليه سبحانه، والنوافل مع أنها غير ملزمة للعابدين، إلا أن مقامهم يزداد رفعة بأدائها من قبلهم، حتى يصلوا إلى درجة متقدمة من الرفعة، حين يحبهم الله بسببها، ويمدهم بثمار هذا الحب السامي، فيوفقهم ويسدد خطاهم، في سمعهم وبصرهم وأيديهم وأرجلهم، أي إن الله تعالى يتولاهم بحفظه ورعايته؛ لأنهم أصبحوا أحبابه وأولياءه، وسبحانه أعلن حرباً ربانية على من يعاديهم، فيا له من حسن مقام، هذا الذي يتولى الله فيه رعاية عبده، فيوفقه في قوله وعمله، ويستر عيوبه، ويحجز عنه خصومه، كيف لا؟! وعز جلاله يقول:{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ}(الحج:38)، وجل ذكره يذكر في القرآن الكريم عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ما يؤكد إيمانه بأن الله يتولاه برعايته والصالحين من عباده، فيقول تعالى: {إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}(الأعراف:196) أي هو حافظي وناصري منكم، فلا تضرونني ولو حرصتم أنتم وآلهتكم على مضرتي، ثم وصف الله بأنه الذي أنزل الكتاب، وبأنه يتولى الصالحين.(التسهيل لعلوم التنزيل،2/58)
وعن ابن عَبَّاسٍ، قال: كنت خَلْفَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فقال: (يا غُلَامُ، إني أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لو اجْتَمَعَتْ على أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لم يَنْفَعُوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله لك، وَلَوْ اجْتَمَعُوا على أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لم يَضُرُّوكَ إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)(سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه، وقال هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)

العابد الرابح
المتقرب إلى الله يجد مبتغاه، ومن عجيب أمر المؤمنين أنهم يستسهلون صعاب الخلق التي تعترض طريقهم إلى الله، فما أن تذق القلوب حلاوة الإيمان، فإنها تحرك الأبدان نحو طاعة الله وعبادته بشوق وحب، لا نظير لهما، حتى إن أهل القربى لما يتعمق بهم الوصال مع الله، يرتقون في الحرص عليه إلى درجات متقدمة، لا يعرف قدرها إلا هم ومن شاكلهم، كرابعة العدوية، التي عبرت عن حرارة هذا الوصال في مناجاتها ربها، بقولها:
عَرَفْتُ الهَوى مُذ عَرَفْتُ هواك وأغْلَقْتُ قَلْبي عَلىٰ مَنْ عَاداكْ
وقُمْتُ أُناجِيـكَ يا مَن تـَرىٰ خَفايا القُلُوبِ ولَسْنا نراك
أحِبُكَ حُبَيْنِ حُبَ الهَـوىٰ وحُبْــاً لأنَكَ أهْـل ٌ لـِذَاك
فأما الذي هُوَ حُبُ الهَوىٰ فَشُغْلِي بذِكْرِكَ عَمَنْ سـِواكْ
وأمّـا الذي أنْتَ أهلٌ لَهُ فَلَسْتُ أرىٰ الكَوْنِ حَتىٰ أراكْ
فلا الحَمْدُ في ذا ولا ذاكَ لي ولكنْ لكَ الحَمْدُ فِي ذا وذاك
فالتقرب إلى الله سبحانه بالطاعة، والحب والحرص على رضاه، يجلب للمطيع المحب ثماراً يانعة، وأمناً لا خوف معه، مصداقاً لقوله تعالى:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}(البقرة:112)، وقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}(الأحقاف:13)
فمن أراد المثوبة الجزيلة، والأمن الوفير، فعليه بطاعة الله والقرب منه، لأنه بذلك يركن إلى ركن ركين، وظل ظليل.

الاكتفاء بأداء الفرض يكفي، ولكن...
معادلة العمل والجزاء واضحة في ديننا الحنيف، يلخصها قوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ* فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}(الزلزلة:6-8)
والحديث القدسي أعلاه يتماشى مضمونه ومعناه مع هذه المعادلة العادلة، فالعباد يتقربون إلى الله بالطاعات، وهو سبحانه يجازيهم بفضله خير الجزاء، والمطلوب الأول من عباد الله أن يؤدوا الفرائض، إذ كيف سيرتقي العابد إلى منازل المتطوعين وهو مقصر في أداء الواجبات والفرائض، مع ملاحظة أن الفرائض محدودة ومحصورة، بينما النوافل واسعة النطاق، لا حصر لها، وهي تؤدى بعد الفرائض، أو قبلها، أو منفصلة عنها، ولو اكتفى العابد بأداء الفرائض فقط كفاه ذلك، فقد (جاء رَجُلٌ إلى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، ولا يُفْقَهُ ما يقول، حتى دَنَا، فإذا هو يَسْأَلُ عن الْإِسْلَامِ، فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَمْسُ صَلَوَاتٍ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فقال: هل عَلَيَّ غَيْرُهَا، قال: لَا، إلا أَنْ تَطَوَّعَ، قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَصِيَامُ رَمَضَانَ، قال: هل عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قال: لَا إلا أَنْ تَطَوَّعَ، قال: وَذَكَرَ له رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ، قال: هل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قال: لَا إلا أَنْ تَطَوَّعَ، قال: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وهو يقول: والله لَا أَزِيدُ على هذا، ولا أَنْقُصُ، قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَفْلَحَ إن صَدَقَ)(صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام)
ومع ذلك؛ فإن تقديم المزيد من النوافل يرتقي بصاحبها لنيل محبة الله، وليكون من أوليائه، الذين يحبهم ويسدد خطاهم، كما بين الحديث القدسي المثبت أعلاه، فمن أراد الاكتفاء بأداء الواجب، وإسقاط الإثم عن التقصير به،
يمكنه ذلك، ويتحقق له مراده بإذن الله، لكن الذي يريد الدرجات العالية، والفوز بعظيم الجوائز، ونيل الحظوة عند ربه، لا يقتصر على أداء الفرائض، وإنما يبذل الجهد في تقديم المزيد من الطاعات، متطوعاً إلى الله بها، وبخاصة تلك المأثورة عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كانت تتفطر قدماه، رغم أنه مطمئن إلى نيل مغفرة الله له، فعن عَائِشَةَ، رضي الله


عنها، (أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان يَقُومُ من اللَّيْلِ حتى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فقالت عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ وقد غَفَرَ الله
لك ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، قال: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا، فلما كَثُرَ لَحْمُهُ صلى جَالِسًا، فإذا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قام، فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ)(صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة الفتح، باب: {يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم عليك ويهديك صراطاً مستقيماً})
فقد كان رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم مثالاً في حسن التقرب إلى الله بالعبادة فرائضها ونوافلها، لا يشغله عن ذلك لهو ولا غفلة، ومثال ذلك ما جاء عنه في الحديث الصحيح، عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت كان رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذا دخل الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ)(صحيح مسلم، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان)، يذكر النووي أن العلماء اختلفوا في معنى شد المئزر، فقيل هو الاجتهاد في العبادات زيادة على عادته صلى الله عليه وسلم في غيره، ومعناه التشمير في العبادات، وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات، وقولها: أحيا الليل أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، وقولها: وأيقظ أهله أي أيقظهم للصلاة في الليل، ففي هذا الحديث أنه يستحب أن يزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات.(صحيح مسلم بشرح النووي،8/70-71)
فهذه وقفات مختارة مع عينة من مؤكدات أهمية التقرب إلى الله بالعبادات فرائضها ونوافلها، عسى أن يتيسر الوقوف عند المزيد منها في الحلقة القادمة، حسب ما جاء عن النبي الهادي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأزواجه وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
8 شوال 1439هـ

تاريخ النشر  2018-06-22
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس