.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يؤكد على أهمية أداء العبادة التطوعية - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن عُقْبَة بن عَامِرٍ الجُهَنِيَّ، قال: (ثَلاثُ سَاعَاتٍ كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أو أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا؛ حين تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً، حتى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، حتى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، حتى تَغْرُبَ) (صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها)
وقفت الحلقة السابقة عند حديث قدسي صحيح، أكد على أهمية العبادة التطوعية، التي تلحق الفرائض في الفضل، ومع أنها غير ملزمة للعابدين، إلا أن مقامهم يزداد رفعة بأدائها، والعابد يجد مبتغاه، في الدنيا والآخرة، فيستسهل الصعاب التي تعترض طريقه إلى الله، ولما يتعمق به الوصال مع الله، يرتقي في الحرص عليه ليصل إلى درجات متقدمة من الحب، تجلب له ثماراً واسعة من الخير، لا خوف عليه معها ولا حزن، والاكتفاء بأداء الفرض يكفي ولكن معادلة العمل والجزاء واضحة في ديننا الحنيف، فالعباد يتقربون إلى الله بالطاعات، وسبحانه يجازيهم بفضله خير الجزاء، والمطلوب الأول أداء الفرائض، إذ كيف سيرتقي العابد إلى منازل المتطوعين، وهو مقصر في أداء الواجبات، مع ملاحظة أن الفرائض محدودة، ومحصورة، بينما النوافل واسعة النطاق، لا حصر لمجموعها، وهي تؤدى بعد الفرائض أو قبلها أو منفصلة عنها، ولو اكتفى العابد بأداء الفرائض فقط كفاه ذلك، لكن تقديم المزيد من النوافل يرتقي بالعابد لينال محبة الله، وليكون من أوليائه، الذين يحبهم، ويسدد خطاهم، وقد كان رسولنا الأكرم، صلى الله عليه وسلم، مثالاً في حسن التقرب إلى الله بالعبادة؛ فرائضها ونوافلها، وحديث عُقْبَة بن عَامِرٍ الجُهَنِيَّ المثبت نصه أعلاه، يشير إلى المساحة الزمنية الواسعة للتطوع في الصلاة، فالنافلة تؤدى في ساعات النهار والليل، إلا في أوقات محددة بينها الحديث الشريف، وهي مراتب ودرجات وأنواع، فمنها المؤكد والراتب، ومنها المشروع المأثور، ومنها المختار من العابد بما يتفق مع أصل المشروعية، دون أن يكون لها دليل مخصص، فالمهم تجنب محظورات التطوع، كالصلاة في أوقات الكراهة التي نهي عن الصلاة فيها، كما نص على ذلك الحديث المذكور آنفاً، وما رواه أبو هُرَيْرَةَ، قال: (نهى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عن صَلاتَيْنِ؛ بَعْدَ الْفَجْرِ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حتى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) (صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب لا تتحرى الصلاة قبل غروب الشمس)

الصوم التطوعي
صيام التطوع المشروع مأجور، ومن ذلك صوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، والأيام الثلاثة البيض من كل شهر، ويوم عرفة، والستة أيام من شوال، فرَسُول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (من صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا من شَوَّالٍ، كان كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعاً لرمضان)، وصيام النافلة والتطوع يحظر في ظروف معينة، فيحظر أيام عيدي الفطر والأضحى، ويحظر على الحائض والنفساء، ويحظر فيه الوصال، فعن ابن عُمَرَ، رضي الله عنهما: (أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى عن الوِصَالِ، قالوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قال: إني لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ؛ إني أُطْعَمُ وَأُسْقَى) (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم)

الاعتدال في أداء النوافل
التطوع بالصلاة والصيام بابه واسع، في إطار ضوابط الشرع، وكلما تزود العابد بالمزيد منه جنى ثماراً طيبة، ومن نماذج التطوع بالصلاة والصيام، ما جاء ذكره في رواية عَبْد اللَّهِ بن عَمْرِو بن العَاصِ، رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال له: (أَحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ، عليه السَّلام، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إلى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وكان يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَه،ُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا) (صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب من نام عند السحر)
فالتطوع رغم فضله العظيم، إلا أن المغالاة فيه غير محمودة، ومن شواهد ذلك قصة الثَلاثَةُ رَهْطٍ (الذين جاءوا إلى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النبي، صلى الله عليه وسلم، يَسْأَلُونَ عن عِبَادَةِ النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ من النبي، صلى الله عليه وسلم، قد غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ وما تَأَخَّرَ؟ قال أَحَدُهُمْ: أَمَّا أنا، فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وقال آخَرُ: أنا أَصُومُ الدَّهْرَ، ولا أُفْطِرُ، وقال آخَرُ: أنا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إليهم فقال: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا والله، إني لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ له، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح)
فالله يحب أن يعبد كما أمر وشرع، والأحاديث المذكورة آنفاً عن النهي عن الصلاة في أوقات معينة، وكذلك النهي عن الصيام في أيام محددة، يؤكد لزوم الانصياع لأمر الله في الشأن كله، حتى في كيفيات التعبد إليه سبحانه، فحرية العابد مقيدة بالشرع، وكلما زادت عبادتهم المشروعة، زاد ثوابهم، وارتفع مقامهم.
فهذه وقفات أخرى مختارة مع عينة من مؤكدات أهمية التقرب إلى الله بالعبادات فرائضها ونوافلها، عسى أن يتيسر الوقوف عند المزيد منها في حلقة أخرى، حسب ما جاء عن النبي الهادي محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
15 شوال 1439هـ

تاريخ النشر  2018-06-29
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس