.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يأمر بفك قيد الأسرى  

==========================================================

 جاء في صحيح البخاري، بَاب فَكَاكِ الأَسِيرِ، وفيه عن أبي مُوسَى، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (فُكُّوا الْعَانِيَ ـ يَعْنِي الأَسِيرَـ وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير)
يأمر الرسول، صلى الله عليه وسلم، بصريح العبارة في هذا الحديث الشريف بالعمل على إطلاق سراح الأسرى، معلناً بذلك واجب الأمة تجاه أسراها، فقيدهم ليس عبئاً شخصياً يُلقى على كواهلهم وأهليهم فحسب، وإنما يتعلق به واجب منوط بأمتهم؛ أفراداً وجماعات؛ ليقوموا به من منطلق مسؤولياتهم العامة، التي يلحق بهم وزر التقصير في أدائها، وفي ظلال ذكرى يوم الأسير الفلسطيني التي تحل في السابع عشر من نيسان من كل عام، يجدر التذكير ببعض حقوق الأسرى على أمتهم، في ضوء التوجيهات الدينية، المستنبطة من وحي القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة.
جاء في فتح الباري أن قوله صلى الله عليه وسلم: (فُكُّوا العَانِيَ)؛ أي الأسير، كذا وقع في تفسير العاني في الحديث، قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور، وقال إسحاق بن راهويه: من بيت المال، وروى عن مالك أيضاً، وقال أحمد: يفادى بالرؤوس، وأما بالمال فلا أعرفه، ولو كان عند المسلمين أسارى، وعند المشركين أسارى، واتفقوا على المفاداة، تعينت، ولم تجز مفاداة أسارى المشركين بالمال. (فتح الباري، 6/167)

معنى العاني في اللغة
جاء في لسان العرب، أن العَنْوة: القَهْرُ. وأَخَذْتُه عَنْوةً؛ أَي قَسْراً وقَهْراً.
وفُتِحَتْ هذه البلدةُ عَنْوةً؛ أَي فُتِحَت بالقتال، قُوتِل أَهلُها حتى غُلِبوا عليها، وفُتِحَت البلدةُ الأُخرى صُلْحاً؛ لم يُغْلبوا، ولكن صُولِحُوا على خَرْج يؤدُّونه.
قال: عَنَا يَعْنُو عُنُوّاً وعُنِيّاً، ومعنى الأَسر ما يَلْزَمهُ ويتعلق به بسبب الجنايات التي سَبيلُها أَن يَتَحَمَّلَها العاقلَة، هذا عند من يُوَرِّث الخالَ، ومن لا يُوَرِّثه يكونُ معناه أَنها طُعْمَة يُطْعَمُها الخالُ لا أَن يكون وارثاً، ورجلٌ عانٍ، وقوم عُناة، ونِسْوَةٌ عَوانٍ؛ ومنه قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (عُودُوا المَرْضى، وفُكُّوا العانيَ) يعني الأسيرَ. (لسان العرب، 10/294)
وفي مقاييس اللغة، قال الخليل: العُنُوّ والعَناء: مصدرٌ للعاني. يقال عانٍ أقرَّ بالعُنُوّ، وهو الأسير.
ويقال للأسير: عنا يعنو. قال: وربّما قالوا: أَعْنُوه، أي ألقوه في الإسار. (مقاييس اللغة، 4/147)

فضل الأسرى
للأسرى مكانة رفيعة في الإسلام، وفضل عظيم، كونهم وجهاً بارزاً ومهماً من الوجوه العاملة للمحافظة على عزته، كيف لا؟! وهم من المنافحين عن حياضه، والله تعالى فرَّق في درجات الفضل والمنزلة بين القاعدين من المؤمنين، وبين المجاهدين في سبيله منهم، فقال تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} (النساء: 95)، والأسرى ليسوا من القاعدين، إذ لو كانوا كذلك لكان همهم رغد العيش وطلبه، ولانشغلوا بالزرع والتجارّة وجمع الثروات، وإنجاب البنين والبنات، لكنهم آثروا السجون وظلمتها على الاستكانة للظالمين، والرضوخ للغاصبين، فكانوا ممن قال في أشباههم أمير الشعراء أحمد شوقي وصدق:
وحولي فتية غر صباح *** لهم في الفضل غايات وسبق
بلاد مات فتيتها لتحيا *** وزالوا دون قومهم ليبقوا
وحررت الشعوب على قناها *** فكيف على قناها تسترق
والرسول، صلى الله عليه وسلم، أشاد بالسعي لرفع عزة الإسلام، حيث يفوق فضل الساعين لتحقيق هذه الغاية قيمة الدنيا وما فيها، فعن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (رِبَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما عليها، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ من الجَنَّةِ خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما عليها، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أو الغَدْوَةُ خَيْرٌ من الدُّنْيَا وما عليها) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل رباط يوم في سبيل الله)
وعن سَلْمَان، قال: سمعت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يقول: (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ من صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عليه عَمَلُهُ الذي كان يَعْمَلُهُ وأجري عليه رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ) (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله عز وجل)، فالرباط على ثغور الأمة، والسهر بما يقتضيه ذلك من مخاطرة، وسهر، وتعب، عمل مهم، وُعِد المتصدون له بسعة الأجر، وعظيم الثواب.
وفي المحصلة؛ فإن الأسرى صابرون مصابرون محتسبون، مرابطون على ثغور الأمة، تصدوا للدفاع عن حياضها، استجابة لأمر الله الموجه للمؤمنين في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)، فلهم الأجر الوافي، والثواب الجزيل، جزاء ما قدموا لهذا الدين، والرسول، صلى الله عليه وسلم، بين فضل المرابطين في سبيل الله، فقال:(من احْتَبَسَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ، إِيمَانًا بِاللَّهِ، وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فإن شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ في مِيزَانِهِ يوم القِيَامَةِ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من احتبس فرساَ في سبيل الله)

الدعاء للأسرى بالفرج والنجاة والاستنصار لهم
الأسرى بما يقدمونه من واجب لدينهم وأمتهم، وبما يتحملونه من تضحيات ومصاعب جمة في هذا السبيل، يستحقون من الله التكريم ومن عباده المؤمنين، والرسول، صلى الله عليه وسلم، كان القدوة المثلى في رعايتهم، حتى إنه جعل لهم قسطاً وافراً من دعائه خلال أدائه صلاته، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: (بَيْنَا النبي، صلى الله عليه وسلم، يُصَلِّي العِشَاءَ، إِذْ قال: سمع الله لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ قال قبل أَنْ يَسْجُدَ: اللهم نَجِّ عَيَّاشَ بن أبي رَبِيعَةَ، اللهم نَجِّ سَلَمَةَ بن هِشَامٍ، اللهم نَجِّ الْوَلِيدَ بن الوَلِيدِ، اللهم نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ من المُؤْمِنِينَ، اللهم اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، اللهم اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة النساء، باب قوله: {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً})(النساء: 99)
وعن أبي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، حَدَّثَهُمْ أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم: (قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ في صَلاةٍ شَهْرًا، إذا قال: سمع الله لِمَنْ حَمِدَهُ، يقول في قُنُوتِهِ، اللهم أَنْجِ الوَلِيدَ بن الوَلِيدِ، اللهم نَجِّ سَلَمَةَ بن هِشَامٍ، اللهم نَجِّ عَيَّاشَ بن أبي رَبِيعَةَ، اللهم نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ من المُؤْمِنِينَ، اللهم اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، اللهم اجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، قال أبو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ رأيت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ، فقلت: أُرَى رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قد تَرَكَ الدُّعَاءَ لهم، قال: فَقِيلَ وما تُرَاهُمْ قد قَدِمُوا) (صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة)
وفي هذه الرعاية رسالة واضحة للمؤمنين في كل زمان ومكان، أن يؤدوا واجب الأسرى الملقى عليهم، بالمساندة المعنوية والمادية، والعمل الجاد والدؤوب لفك قيدهم، وإطلاق سراحهم.

لزوم الاستنصار للأسرى
الأسرى لهم حق كبير على أمتهم وأهليهم وإخوانهم المتمتعون بالحرية أن ينصروهم بما أوتوا من إمكانات متاحة، حتى إن الله تعالى أوجب على المؤمنين أن يهبوا لمناصرة المستضعفين من الناس؛ رجالهم ونسائهم وولدانهم، فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً} (النساء: 75)، فكيف إذا كان طالبو النصرة هم الأسرى البواسل، الذين قيدوا بالسلاسل، ومنع عنهم الهواء والدواء، لأنهم اختاروا المنافحة عن كرامة أمتهم وحريتها ومقدساتها، وأرضها المباركة، فحقهم بالمناصرة واجب أن يُؤدى لهم دون منّ ولا تفضل، وهو حق كبير وواسع، ومنه حفظ ذويهم وعيالهم من أي امتهان أو عدوان، وتوفير سبل العيش الكريم لهم، مع التحذير من خذلانهم والتقاعس عن نصرتهم، فالمسلم لا يخذل أخاه، كما جاء في الحديث الصحيح: (...وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ ...) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله) فكيف إذا كان الأخ هو المرابط المكابد، والمقيد بالسلاسل من أجل دينه ووطنه وشعبه؟!
راجين الله العلي القدير أن ييسر العمل على فك قيود الأسرى، عملاً بروح التوجيهات القرآنية، وسنة الحبيب محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
4 شعبان 1439هـ

تاريخ النشر  2018-04-20
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس