.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 يأمر بالعمل على إطلاق سراح الأسرى  

==========================================================

 عن أبي مُوسَى، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (فُكُّوا الْعَانِيَ، يَعْنِي: الأَسِيرَ، وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير)
الرسول، صلى الله عليه وسلم، يأمر المسلمين في هذا الحديث الشريف بالعمل على إطلاق سراح الأسرى، وفك قيودهم، لينعموا بالحرية، التي هي من متطلبات الحياة الإنسانية الكريمة، قال سفيان: العاني الأسير، وقال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور، وقال إسحاق بن راهويه من بيت المال، وروي عن مالك أيضاً. (فتح الباري، 6/167)

إخلاص الدعاء للأسرى
الأسرى ينبغي أن يكونوا حاضرين في أذهان المسلمين وقلوبهم، في مناسباتهم جميعها، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يذكرهم حتى في دعائه وهو يصلي، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ إِذَا قَالَ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلاَةِ العِشَاءِ قَنَتَ: (اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ)، ثم يستمر في دعائه فيقول: (اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) (صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعء على المشركين).
مما يدل على لزوم بقاء قضية الأسرى في وجدان المؤمنين، وفي صدارة اهتمامهم، مسؤولين ومؤسسات، وأهل وجيران وأمة، لا من قبيل التفضل عليهم بذلك، بل انصياعاً للواجب الديني والأخلاقي، وواجب الصلة والقربى، وواجب المجازاة والمقابلة لبعض الفضل والإحسان الذي انبرى إلى تقديمه وسبق إليه أولئك الأخيار، فهم أصحاب السبق بالتضحية والفداء، من أجل أمتهم، التي من العار بمكان عظيم أن تنساهم، أو تغفل عن مناصرتهم ومؤازرتهم، وبخاصة حين يمارسون إضراباتهم الاحتجاجية على بقائهم في الأسر، وجور القضاء فيهم، والتعسف في حجزهم إدارياً أو توقيفاً دون محاكمات، ولا اتهامات معلنة، وعلى سوء معاملتهم وعلاجهم، والبطش بزائريهم من الأهل؛ آباء، وأمهات، وأزواج، وأبناء، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مجلس الإفتاء الفلسطيني الأعلى أفتى بمشروعية الإضرابات التي يخوضها الأسرى للغايات المذكورة، ما داموا لم يجدوا وسيلة غيرها لتحصيل حقوقهم.

قرار مجلس الإفتاء الخاص بحكم إضراب الأسرى في السجون الإسرائيلية
سبق لمجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين أن أصدر فتوى بحكم إضراب الأسرى في السجون الإسرائيلية عن الطعام، جاء فيها:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد؛
فإن حفاظ الإنسان على حياته وبقائه أصل واجب، وابتعاده عن كل ما يؤذي نفسه ويضر بها، مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، التي جاءت لحفظ الضرورات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
لكن الإنسان قد يتعرض لضرورات وموجبات تتطلب منه القيام بأعمال تتعارض مع هذا الأصل في ظاهرها، لكنها تستند إلى أدلة شرعية، يمارسها المرء لغايات عظمى وأهداف كبيرة، ومن ذلك امتناع الأسرى عن تناول الطعام، كوسيلة لمقاومة السجان الظالم الغاشم، وأسلوب ضغط على المحتل لتحصيل حقوقهم المشروعة، مما كفلته لهم الأديان السماوية، والمواثيق الدولية.
ويشكل إضراب الأسرى في سجون الاحتلال باباً من أبواب الصبر والمصابرة لنيل مطالبهم العادلة، وأسلوباً من أساليب مقاومة المحتل ومقارعته في رفع الظلم والضيم عنهم، وهو جهاد مشروع، دل على ذلك العديد من الآيات القرآنية، منها قوله تعالى: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} (الفتح: 29)، فالإضراب سلاح يغيظ الاحتلال ويحرجه، وقوله تعالى: { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (التوبة: 120)، فالآية شملت كل موطئ يغيظ الكفار؛ ومن ذلك الإضراب الذي يفضح جرائم المحتل، ويكشف ظلمه، ويحرجه على الملأ.
فإضراب الأسرى إذا تعين كوسيلة لا بد منها، للحصول على الحقوق المشروعة، بعد استنفاذ الوسائل الممكنة، وغدا أمراً لا بد منه، كوسيلة لرفع الظلم والاضطهاد، وكان يرجى تأثيره على العدو، وفضح ممارساته، أصبح مشروعاً إلى أن يحقق الأسرى مطالبهم في رفع الظلم عنهم، وتحقيق مطالبهم المشروعة.
والأسرى أدرى بظروفهم، وأكثر فقهاً لأحوالهم، فابن تيمية، رحمه الله، يقول: (إذا اختلف دعاة الإسلام في الأمر فالأحوط أن يكون رأي المجاهدين)، وقال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل، رضي الله عنهما: (إذا اختلف في شيء، فانظر ما عليه أهل الثغر، فإن الحق معهم) (المبدع في شرح المقنع: 3/285)؛ لأن الله عز وجل يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } (العنكبوت: 69)).
وعليه؛ فإن مجلس الإفتاء الأعلى يرى جواز قيام الأسرى في سجون الاحتلال بالكف عن تناول الطعام، كأسلوب ضغط على السجان، إذا لم يجدوا وسيلة غيره، لتحصيل حقوقهم الإنسانية المشروعة، فهو أداة تستخدم في نطاق ضيق ضمن ضوابط محددة، على رأسها إخلاص النية لله في هذا العمل، والافتقار إلى وسائل أقل ضرراً على حياة الأسرى.

مساندة فعاليات الأسرى
الأسرى بإضرابهم المشروع الذي تصيبهم فيه شدة العطش، وينتابهم الإعياء والتعب، وتلحق بهم المجاعة الشديدة، يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ سجانهم، احتساباً لوجه الله، وعملاً لرضاه سبحانه، فهم يجابهون سلاسل سجانيهم، وحرابهم، وأسلحتهم الفتاكة، بجوع بطونهم، وعطش أجسادهم، وكانت لهم جولات مشهودة على هذا الصعيد، توجت بانتصارات حققت بعض المرجو، في زمن طال فيه الليل، وندرت فيه الأنوار، لكن الأسرى لم يفقدوا الأمل، وما زال لديهم يقين بأن الفجر آتٍ آت، يردد لسانهم وحالهم، قول أبي القاسم الشابي:
وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر
ومن قبله وبعده، تردد حناجرهم عن يقين يملأ قلوبهم قول الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}(البقرة: 214)
فنصر الله قريب قريب، ولكن الناس يستعجلون، ولا يحل لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يساوره شك أو ريبة في حقيقة تحقق النصر المبين للإسلام والمسلمين وحتميته، ولو بعد حين، كيف لا؟! ورب العزة والملكوت قطع وعداً بذلك، فقال عز وجل: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (المجادلة: 21)
تتعزز معنويات الأسرى، ويقوى صمودهم، حين يجدون ناسهم معهم، وهم يتابعون الأخبار على هذا الصعيد، ومن العار أن تفتر الهمم تجاههم.
ومن أبرز المطلوب القيام به على صعيد نصرة الأسرى، الاستجابة إلى مطالبتهم الحثيثة بالوحدة، ونبذ الفرقة والانقسام والتشرذم، لأنهم خير من يعي مرامي قول الله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(الأنفال: 46)

تطلع الأسرى للحرية
عبر الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود بجلاء عن تطلع الإنسان الكريم إلى الحرية والكرامة، مهما كلفه ذلك من تضحيات، فأنشد قائلاً:
سَأَحْمِلُ رُوحي على راحَتي وأُلقي بِها في مَهاوي الرَّدى
فإِمّا حَياةٌ تَسُرُّ الصَّديقَ وإِمّا مماتٌ يُغيظُ العِدى
لَعَمرُكَ إِنّي أرى مَصرَعي وَلَكِنْ أَغُذُّ إليه الخُطى
أرى مَصرعي دُونَ حَقّي السليب ودُونَ بِلادي هُو المُبتَغى
لَعَمْرُكَ هذا مَماتُ الرِّجالِ ومَنْ رَامَ مَوتاً شَريفاً فَذا
فَكَيفَ اصطِباري لِكَيدِ الحَقودِ وكَيفَ احتِمالي لِسَومِ الأذى
بِقَلبي سَأرمي وُجوهَ العِدا فَقَلبي حَديدٌ وناري لَظى
وَأحمي حِياضي بِحَدِّ الحُسامِ فَيَعلَمُ قَومي بِأَنّي الفتى
سائلين الله العلي القدير أن ييسر لأسرانا البواسل الفرج القريب، والنصر المؤزر، وأن يحسن خلاصهم، ويجزي ذويهم خيراً على جميل صبرهم، ورباطة جأشهم، وأن يجمعنا وإياهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويوردنا وإياهم حوض نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
17 رجب 1438هـ

تاريخ النشر  2017-04-14
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس