.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 وَعْدُهُ بانتصار الإسلام حقٌ، ووعْدُ بلفور باطل ومشؤوم -الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن خَبَّابِ بن الأَرَتِّ، قال: (شَكَوْنَا إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا له: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟! ألا تَدْعُو اللَّهَ لنا؟!
قال: كان الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ، يُحْفَرُ له في الأرض، فَيُجْعَلُ فيه، فَيُجَاءُ بِالمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ على رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ من عَظْمٍ أو عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ.
والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأَمْرَ، حتى يَسِيرَ الرَّاكِبُ من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلا اللَّهَ، أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام)
وعد الرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، المؤمنين برسالته بحتمية انتصار الإسلام، فأقسم بالله في هذا الحديث الشريف على أن الإسلام سينتصر، وسيتحقق الأمن به، جاء ذلك في سياق الرد على الشاكين من قسوة الأحوال، وصعوبة الظروف، والشاكون كانوا من صحابته، صلى الله عليه وسلم، جاءوا إليه طالبين الاستنصار بدعائه، أن يرفع الله عنهم ما بهم من بلاء وشدة، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن استحضر أمامهم مشهداً مروعاً تجسد فيه حجم الابتلاء الذي صبر أمامه مؤمنون من الأمم السابقة، وأسند عليه الصلاة والسلام استحضار هذا المشهد المحفز على الصبر والجلد، بالتأكيد المشفع بالقسم، بأن الإسلام سينتصر، وسيعم الأمن بانتصاره.

ما أشبه اليوم بالبارحة
ما عاناه الصحابة، رضي الله عنهم، من شدة المحن التي دفعتهم لسؤال النصر، اشتركوا فيها مع سابقيهم، ويشترك معهم فيها من جاءوا بعدهم من مضطهدي الظالمين، وما يعانيه المسلمون اليوم من قسوة الابتلاءات يصلح شاهداً بامتياز لهذه الحقيقة التاريخية، فالابتلاء يعم جلهم، وإن اختلفت مستوياته بينهم، فبعضهم أمنه مهدد، وحياته في خطر، وماله في مهب الريح، ليس لشيء، سوى لأنه ينتمي إلى دين الإسلام، فيصدق فيهم ما استنتجه أسلافهم المبتلين في سبيل تمسكهم بالحق المبين، من أمثال سحرة فرعون، الذين توعدهم بعد أن آمنوا، قائلاً: {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} (الأعراف:124)، فردوا عليهم بثبات ويقين: {قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ* وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}. (الأعراف:125-126)
وإلى جانب هذا السبب الرئيس لتكالب الأمم على المسلمين، فإن أحوالهم اليوم تساعد المتربصين بهم وبدينهم على تحقيق مزيد من تشديد الخناق عليهم، فهم منقسمون على أنفسهم أحزاباً وفرقاً متناحرة، تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، ومن كان هذا حاله، فالفشل سيكون من حظه ونصيبه، مصداقاً لقوله جل في علاه: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. (الأنفال:46)

وعد بلفور باطل ومشؤوم
رغم أجواء التشرذم والفشل التي تعم أوساط المسلمين اليوم، نتيجة التربص بهم، وبسبب سوء ما كسبت أيديهم، وسلبيات مواقفهم، إلا ما رحم الله منها، لا بدَّ من تذكيرهم بذكرى أليمة تمر اليوم بجزء مهم من بقاعهم وإخوانهم، تلكم هي ذكرى الوعد الباطل الذي منحه من لا يملك لمن لا يستحق، ففي الثاني من تشرين الثاني لعام 1917 أرسل آرثر جيمس بلفور إلى أحد الزعماء اليهود البريطانيين، ويدعى باللورد ليونيل والتر دي روتشيلد، رسالة تضمنت الإعلان عن تأييد بريطانيا لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، فكانت هذه الرسالة بمثابة وثيقة رسمية بريطانية، أسست لإقامة كيان للصهاينة على أرض فلسطين، ونتج عن هذا الوعد المشؤوم إقامة كيان غريب ظالم في فلسطين بعد أن احتلها بالسلاح المدجج، والغطرسة البجحة، والمساندة الظالمة، والتخاذل المخزي.

الوعد القرآني بانتصار الإسلام
وعد بلفور وما تبعه من وعود ضالة على شاكلته، لكيان الاحتلال الصهيوني بالترعرع في أرض الإسراء والمعراج، وقبلة المسلمين الأولى، لن يطول بباطله المقام، لأن المناهض الأكبر لذلك بقوة هو رب العالمين، وهو القائل جل ذكره:{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة:32)، ويقول عز وجل:{يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} (الصف:8)
وما وعده الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، للمسلمين بانتصار دينهم، وشيوع الأمن في ظلاله، يسانده الوعد الحق لهم بالنصر والتمكين، المتضمن في قول رب العالمين:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55)
فهذه وقفة تأكيدية للإيمان بحتمية انتصار الإسلام بصفته دين الله الحق، وشيوع الأمن به، فالنصر الموعود قادم، رغم أنف بلفور، ومن اختار السير على دربه وشاكلته، آملين التوفيق لمتابعة الوقوف عند ما يتيسر من مجالات هذه القضية الإيمانية، في الحلقة القادمة من زاوية الرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
24 صفر 1440هـ

تاريخ النشر  2018-11-02
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس