.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 وَعْدُهُ بانتصار الإسلام حقٌ، ووعْدُ بلفور باطل ومشؤوم - الحلقة الثانية والأخيرة  

==========================================================

 عن ثَوْبَانَ قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا ما زوي لي منها، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ؛ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا من سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قال: يا محمد، إني إذا قَضَيْتُ قَضَاءً، فإنه لا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا من سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عليهم من بِأَقْطَارِهَا، أو قال من بين أَقْطَارِهَا، حتى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)(صحيح مسلم)
في الحلقة السابقة تم الوقوف عند وعد الرسول، المشفوع بقسمه عليه الصلاة والسلام، بحتمية انتصار الإسلام، وتحقق الأمن به، جاء ذلك في سياق الرد على الشاكين من قسوة الأحوال، وصعوبة الظروف، التي اشتركوا فيها مع سابقيهم، ويشترك معهم فيها من جاءوا بعدهم من مضطهدي الظالمين، وأشارت الحلقة إلى وعد بلفور الذي تمر ذكراه سنوياً في الثاني من تشرين الثاني، وهو وعد باطل ومشؤوم، منحت فلسطين بموجبه ممن لا يملك لمن لا يستحق، بما أسس لإقامة كيان للصهاينة على أرض فلسطين، بعد أن احتلها بالسلاح المدجج، والغطرسة البجحة، والمساندة الظالمة، والتخاذل المخزي، ووفق إيماننا فإن هذا الكيان إلى زوال، ولن يطول بباطله المقام؛ لأن المناهض الأكبر له هو رب العالمين، الذي وعد بأن يُتمَ أمرَ الإسلام وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ.

الوعد باتساع رقعة الإسلام
الحديث النبوي الصحيح المذكور أعلاه، يتضمن وعوداً تشجيعية للمسلمين رغم ما يمر بهم من قسوة الظروف، وضعف الأحوال، والمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: (زَوَى لي الأَرْضَ)؛ أي جمعها لأجله، فقرب له البعيد منها، حتى اطّلع عليه إطلاعه على القريب منها، (فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا)؛ أي جميعها، (وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا ما زوي لي منها)؛ أي أن الأرض زويت له جملتها مرة واحدة، فرأى مشارقها ومغاربها، ثم هي تفتح لأمته جزأ فجزأ، حتى يصل ملكها إلى كل أجزائها، وقوله: (وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ؛ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ)؛ أي كنزي الذهب والفضة، وقيل: المراد بالأحمر والأبيض خزائن كسرى وقيصر، وذلك أن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم، وقوله: (بِسَنَةٍ عَامَّةٍ)؛ أي بقحط شائع لجميع بلاد المسلمين، وقوله: (وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا) وهم الكفار، وقوله: (من سِوَى أَنْفُسِهِمْ)؛ أي عدواً من سوى أنفسهم، (فَيَسْتَبِيحَ) أي العدو، وهو مما يستوي فيه الجمع والمفرد؛ فيستأصل بيضتهم، أي مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة الدار وسطها. (بتصرف عن تحفة الأحوذي، 6/332)
فهذا وعد حق من النبي، صلى الله عليه وسلم، يطمئن المسلمون إليه، رغم حالات الضعف التي يمرون بها في بعض الظروف والأحوال، فلا خوف على اندثار إسلامهم، أو فنائهم عن الوجود، ويساند هذا الوعد القطع ببقاء طائفة من المسلمين قائمة بالحق، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (لا يزال طَائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حتى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ) (صحيح البخاري)، وفي رواية أخرى، يقول: (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ على الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ من خَذَلَهُمْ حتى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ) (صحيح مسلم)

اليقين بوعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
المؤمنون بالله رباً، وبالقرآن الكريم دستوراً، وبمحمد نبياً ورسولاً، صلى الله عليه وسلم، يثقون بالوعود القاطعة لهم بالنصر والتمكين، التي يجدونها في كتاب الله وسنة نبيه المصطفى، عليه الصلاة والسلام، دون أن يساورهم شك بها، بغض النظر عن وعود الظالمين المضادة لها، فشتان بين الوعد الحق، ووعود الباطل التي تصدر عن الظالمين والمتحيزين، وسيأتي على الناس يوم تتبدى لهم فيه الحقيقة، التي يعبر عنها قوله تعالى: {...كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ}. (الرعد:17)

الأخذ بأسباب النصر والتمكين
بالتوازي مع الإيمان بصدق الوعود الربانية والنبوية بحتمية انتصار الإسلام، والتمكين لأهله، فإن المؤمن يعتقد أن الأمور تجري في الكون وفق قضاء الله وقدره، وفي إطار مشيئته سبحانه، وأن الله جعل لكل أمر قَدَّره سبباً، ومن ذلك التمكين في الأرض والنصر، لهما أسباب مطلوب الأخذ بها، وعلى رأسها الإيمان الصادق، والتقوى والصلاح، والاستقامة على دين الله، والإخلاص لله في الأعمال والنوايا والمقاصد، والصبر على الشدائد، والمصابرة، وقد تضمنت خاتمة سورة آل عمران، جملة مهمة من هذه الأسباب، التي أمر الله المؤمنين بالأخذ بها، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200)
سائلين الله العلي القدير أن يرفع مقته وغضبه عن المسلمين، وأن يهديهم صراطه المستقيم، وأن ينصر دينه بهم، كما نصره على يد نبيهم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، ومن تبعه ووالاه بإحسان إلى يوم الدين.

تاريخ النشر  2018-11-09
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس