.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ونماذج من حسن وفائه  

==========================================================

 عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: (ما غِرْتُ على أَحَدٍ من نِسَاءِ النبي، صلى الله عليه وسلم، ما غِرْتُ على خَدِيجَةَ، وما رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قلت له: كَأَنَّهُ لم يَكُنْ في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إلا خَدِيجَةُ، فيقول: إِنَّهَا كانت وَكَانَتْ، وكان لي منها وَلَدٌ) (صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي، صلى الله عليه وسلم، خديجة وفضلها، رضي الله عنها)
يشير هذا الحديث الشريف إلى خلق فاضل حميد من مكارم أخلاق النبي، صلى الله عليه وسلم، حيث كان يبر زوجته الأولى خديجة حتى بعد وفاتها، ومن ذلك إهداؤه صديقاتها من لحوم الذبائح التي كان يذبحها، معبراً بذلك عن تقديره لهن، كونهن صديقات لها، فمن اعتزازه بها، انبثق هذا التقدير لصديقاتها، فهو بذلك يؤدي عملاً تفوح منه رائحة الوفاء، الذي عز وجوده بين الأحياء، فكيف إذا كان تجاه أموات؟! فقد كانت لخديجة، رضي الله عنها، مكانة عند الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، قبل مماتها، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: (أتى جِبْرِيلُ النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ هذه خَدِيجَةُ، قد أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فيه إِدَامٌ أو طَعَامٌ أو شَرَابٌ، فإذا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ عليها السَّلامَ من رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ في الْجَنَّةِ من قَصَبٍ، لا صَخَبَ فيه، ولا نَصَبَ) (صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي، صلى الله عليه وسلم، خديجة وفضلها، رضي الله عنها) وقد أثارت تلك المكانة الغيرة في نفس أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، رغم أنها لم تشاركها الحياة الزوجية مع الرسول، صلى الله عليه وسلم، إذ ماتت من قبل، لكن ذكر الرسول، صلى الله عليه وسلم، لها كان يضايقها، ومن شواهد غيرة عائشة من خديجة، رضي الله عنهما، بسبب اهتمام الرسول، صلى الله عليه وسلم، بها ما جاء في روايتها الصحيحة، قالت: (اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ على رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، فقال: اللهم هَالَةَ، قالت: فَغِرْتُ، فقلت: ما تَذْكُرُ من عَجُوزٍ من عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ في الدَّهْرِ، قد أَبْدَلَكَ الله خَيْرًا منها) (صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي، صلى الله عليه وسلم، خديجة وفضلها، رضي الله عنها)
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ)؛ أي تذكر استئذانها لشبه صوتها بصوت خديجة، قوله: (فَارْتَاعَ لِذَلِكَ) من الروع؛ أي فزع، ولكن المراد لازمه، وهو التغير، ويروى، فارتاح؛ أي اهتز لذلك سروراً، قوله: (فقال: اللهم؛ هَالَةَ) أي اللهم اجعلها هالة.
وقوله: (قالت) أي عائشة، (فَغِرْتُ) من الغيرة، (فقلت: ما تَذْكُرُ من عَجُوزٍ من عَجَائِزِ قُرَيْشٍ) أرادت به خديجة، قوله: (حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ) الشدق بالكسر جانب الفم، أرادت أنها عجوز كبيرة جداً، قد سقطت أسنانها من الكبر، ولم يبق بشدقها بياض من الأسنان، إنما بقيت فيه حمرة اللثات، وقوله: (خَيْرًا منها)؛ أي من خديجة. (عمدة القاري، 16/282)
فمن هذه المواقف يتبين وفاؤه، صلى الله عليه وسلم، لزوجته المتوفاة، بل كان يعبر بحرارة عن حبه لها، وارتباط قلبه بها، على الرغم من أن لديه من النساء غيرها، وكان يثير تقديره لها غيرة في نفوسهن.

وفاؤه لصاحبه أبي بكر
لم يقتصر وفاء النبي، صلى الله عليه وسلم، على ما كان منه تجاه أزواجه، وعناصر أسرته، بل تعدى ذلك لعموم من ارتبط به من الناس، الذين كان من أبرزهم صاحبه أبو بكر ، فقد حفظ له مواقفه الصادقة، ولم يفته استذكارها عند النوازل، فعن ابن عَبَّاسٍ، قال: (خَرَجَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في مَرَضِهِ، الذي مَاتَ فيه، عاصب رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ على الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قال: إنه ليس من الناس أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ في نَفْسِهِ وَمَالِهِ من أبي بكْرِ بن أبي قُحَافَةَ، وَلَوْ كنت مُتَّخِذًا من الناس خَلِيلًا، لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ في هذا الْمَسْجِدِ، غير خَوْخَةِ أبي بَكْرٍ) (صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد)
وكان صلى الله عليه وسلم يحدث عن صداقته لأبي بكر، فعن أَنَس، رضي الله عنه، قال: (صَعِدَ النبي، صلى الله عليه وسلم، أُحُدًا، وَمَعَهُ أبو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ، وقال: اسْكُنْ أُحُدُ، أَظُنُّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ) (صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي، رضي الله عنه)
ومن أبلغ وفائه، صلى الله عليه وسلم، لصديقه أبي بكر، أنه زف إليه البشرى بالجنة قبل مماته، فعن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: (أَنَّهُ تَوَضَّأَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فقلت: لأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَلأَكُونَنَّ معه يَوْمِي هذا، قال: فَجَاءَ الْمَسْجِدَ، فَسَأَلَ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: خَرَجَ وَوَجَّهَ هَا هُنَا، فَخَرَجْتُ على إِثْرِهِ، أَسْأَلُ عنه حتى دخل بِئْرَ أَرِيسٍ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، وَبَابُهَا من جَرِيدٍ حتى قَضَى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَاجَتَهُ، فَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إليه، فإذا هو جَالِسٌ على بِئْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عن سَاقَيْهِ، وَدَلاهُمَا في الْبِئْرِ، فَسَلَّمْتُ عليه، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَابِ، فقلت: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الْيَوْمَ، فَجَاءَ أبو بَكْرٍ، فَدَفَعَ الْبَابَ، فقلت: من هذا؟ فقال أبو بَكْرٍ، فقلت: على رِسْلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ، فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ هذا أبو بَكْرٍ، يَسْتَأْذِنُ، فقال: ائْذَنْ له، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَأَقْبَلْتُ حتى قلت لأَبِي بَكْرٍ: ادْخُلْ وَرَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّةِ، فَدَخَلَ أبو بَكْرٍ، فَجَلَسَ عن يَمِينِ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، معه في الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ في الْبِئْرِ، كما صَنَعَ النبي، صلى الله عليه وسلم، وَكَشَفَ عن سَاقَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، وقد تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ، وَيَلْحَقُنِي، فقلت: إن يُرِدْ الله بِفُلانٍ خَيْرًا، -يُرِيدُ أَخَاهُ- يَأْتِ بِهِ، فإذا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فقلت: من هذا؟ فقال: عُمَرُ بن الْخَطَّابِ، فقلت: على رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَسَلَّمْتُ عليه، فقلت: هذا عُمَرُ بن الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُ، فقال: ائْذَنْ له، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ، فَجِئْتُ، فقلت: ادْخُلْ وَبَشَّرَكَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالْجَنَّةِ، فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في الْقُفِّ عن يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ في الْبِئْرِ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، فقلت: إن يُرِدْ الله بِفُلَانٍ خَيْرًا يَأْتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فقلت: من هذا؟ فقال: عُثْمَانُ بن عَفَّانَ، فقلت: على رِسْلِكَ، فَجِئْتُ إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: ائْذَنْ له، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ على بَلْوَى تُصِيبُهُ، فَجِئْتُهُ، فقلت له: ادْخُلْ، وَبَشَّرَكَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالْجَنَّةِ على بَلْوَى تُصِيبُكَ، فَدَخَلَ، فَوَجَدَ الْقُفَّ قد مُلِئَ، فَجَلَسَ وِجَاهَهُ من الشَّقِّ الآخَرِ، قال شَرِيكُ بن عبد الله: قال سَعِيدُ بن الْمُسَيَّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ). (صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً خليلاً)

وفاؤه للأنصار
من الشرائح المجتمعية التي قدمت للإسلام خيراً، فذكر الرسول، صلى الله عليه وسلم، فضلها، وأشاد بمواقفها، الأنصار الذين بادروا المهاجرين بالإيواء والمناصرة، فكان لهم فضل لم ينسه النبي، صلى الله عليه وسلم، فعن أَنَسِ بن مَالِكٍ، قال: (جَمَعَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الأَنْصَارَ، فقال: أَفِيكُمْ أَحَدٌ من غَيْرِكُمْ؟ فَقَالُوا: لا إلا ابن أُخْتٍ لنا، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِنَّ ابن أُخْتِ الْقَوْمِ منهم، فقال: إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ، وَأَتَأَلَّفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ الناس بِالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إلى بُيُوتِكُمْ، لو سَلَكَ الناس وَادِيًا، وَسَلَكَ الْأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ) (صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه)
فالوفاء خلق كريم، يتجلى فيما يصدر عن المرء من سلوك تجاه الآخرين، وهو من مكارم الأخلاق التي بعث بها النبيون، عليهم السلام، وجاء بها الإسلام، وتحلى بها المسلمون المخلصون، وليس ما ذكر آنفاً سوى نماذج لصور من وفائه، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
2 محرم 1439هـ

تاريخ النشر  2017-09-29
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس