.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ولد في عام الفيل - الحلقة الرابعة  

==========================================================

 من شواهد يقين النبي، صلى الله عليه وسلم، ثقته العالية جداً بنصر الله، فلما كان وصاحبه في الغار طمأنه من منطلق اليقين بأن الله معهما، حسب ما جاء عن أبي بَكْرٍ، رضي الله عنه، قال: كنت مع النبي، صلى الله عليه وسلم، في الْغَارِ، فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ، قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ لو أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قال: ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا)(صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة، باب قوله: (ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) التوبة: 40)
تعرضت الحلقة السابقة إلى بيان وجه وصف الموت باليقين، حيث تتبين للإنسان بعد موته حقائق الهدى والضلال، وبينت أن اليقين أضيف إلى الحق في القرآن الكريم في آيتين، إحداهما في سورة الواقعة، والثانية في الحاقة، ومعناه فيهما أنه حق يقين؛ أي حق لا بطلان فيه، ويقين لا ريب فيه، وقبل الحديث عن جانب اليقين المتضمن في الحديث أعلاه، نسترسل في الوقوف عند ما بقي من مواضع ذكر اليقين في القرآن، التي ذكر فيها مضافاً إلى كل من العلم والعين.

إضافة اليقين إلى كل من العلم والعين في القرآن الكريم
اليقين عند بعض العلماء ثلاث درجات، هي: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وحق اليقين هو منتهى العلم. (أضواء البيان:8/263)
ومراتب العلم الثلاث على اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين؛ فالعلم ما كان عن دلائل، وعين اليقين ما كان عن مشاهدة، وحق اليقين ما كان عن ملابسة ومخالطة، كما يحصل العلم بالكعبة وجهتها، فهو علم اليقين، فإذا رآها فهو عين اليقين بوجودها، فإذا دخلها، وكان في جوفها، فهو حق اليقين، بوجودها، واللَّه تعالى أعلم. (أضواء البيان: 9/83)
ورد ذكر اليقين مضافاً مرة إلى العلم، وأخرى إلى العين في سورة التكاثر نفسها، فقال تعالى: {كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ }(التكاثر:5) {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}(التكاثر:7)
ومعنى علم اليقين العلم الذي لا يشك فيه، قال بعضهم: هو من إضافة الشيء إلى نفسه، كقولك دار الآخرة، وقال الزمخشري: معناه علم الأمور التي تتيقنونها بالمشاهدة.
{ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}(التكاثر:7)، هذا تأكيد للرؤية المتقدمة، وعطفه بثم للتهويل والتفخيم، والعين هنا من قولك عين الشيء نفسه وذاته، أي لترونها الرؤية التي هي نفس اليقين. (التسهيل لعلوم التنزيل: 4/216)
ويرى الرازي أن في قوله تعالى: {عِلْمَ الْيَقِينِ} وجهين، أحدهما: معناه علم يقين، فأضيف الموصوف إلى الصفة، كقوله تعالى: {وَلَدَارُ الاْخِرَةِ} وكما يقال مسجد الجامع، وعام الأول.
والثاني: أن اليقين هاهنا هو الموت والبعث والقيامة، ولأنهما إذا وقعا جاء اليقين، وزال الشك، فالمعنى لو تعلمون علم الموت، وما يلقى الإنسان معه، وبعده، في القبر وفي الآخرة، لم يلهكم التكاثر والتفاخر عن ذكر الله، وقد يقول الإنسان أنا أعلم علم كذا أي أتحققه، وفلان يعلم علم الطب، وعلم الحساب؛ لأن العلوم أنواع، فيصلح لذلك أن يقال: علمت علم كذا.(التفسير الكبير: 32/76)

اليقين بأن الله معنا
عبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، في حديث صاحبه أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، المذكور أعلاه عن يقينه بنصر الله له ولدينه، حيث قال لصاحبه: (ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا) ويخبر الله جل في علاه عن هذا الموقف الإيماني العظيم، فيقول عز وجل:{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(التوبة:40)(التفسير الكبير: 2/189)
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، عبر في تلك الحادثة التاريخية عن عمق يقينه وتأكده من نصر الله له، رغم عظم الكيد المحاك ضده، فقوله لصاحبه: (ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا) يعني أنه مطمئن وواثق بأن الله سيحميهما، فكون الله ثالثهما يغنيهما عن أي قوة مساندة، لأن من كان الله معه كفاه، والآية القرآنية التي وثقت خبر هذه الحادثة ذكرت عبارة منسوبة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، تفصح عما يختزنه قلب النبي، صلى الله عليه وسلم، من يقين بالله، فقال لصاحبه:{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا}، فالذي يتوكل على الله، ويثق بقدرته سبحانه على نصره وعونه، ما دام يلتزم الحق منهجاً، والعمل المخلص لله سبيلاً، فلا يعتريه خوف على شيء سيفقده، وعلى حياة أمر بقائها وزوالها مسند إلى الله تبارك وتعالى، من هنا كانت الطمأنة للصاحب بأن لا يحزن، وينسجم هذا الموقف النابع من اليقين بالله مع موقف عبد المطلب، لما قال: للبيت رب يحميه، وينسجم كذلك مع المواقف الإيمانية جميعها، التي عبر فيها الأقدمون والمعاصرون عن ثقتهم بالله تعالى، والتي نرجو أن ييسر الله تعالى متابعة الوقوف عند نماذج منها في الحلقة القادمة، في إطار الحديث عن مزيد من أبعاد ودلالات قصة الفيل الذي ولد في عامه الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
29 ربيع الأول 1440هـ

تاريخ النشر  2018-12-07
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس