.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ولد في عام الفيل - الحلقة الخامسة والأخيرة  

==========================================================

 عن خَبَّابِ بن الأَرَتِّ قال: (شَكَوْنَا إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا له: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألا تَدْعُو اللَّهَ لنا؟! قال: كان الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرض، فَيُجْعَلُ فيه، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ على رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ من عَظْمٍ أو عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأَمْرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِبُ من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلا اللَّهَ، أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)(صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام)
تابعت الحلقة السابقة الوقوف عند إضافة اليقين إلى كل من العلم والعين في القرآن الكريم، وعرجت على شاهد من سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، يدل على عمق اليقين بالله، من خلال قوله عليه الصلاة والسلام لصاحبه أبي بكر وهما في الغار خلال رحلة هجرتهما من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وأعداؤهما من كفار قريش يطاردونهما، حيث قال له: (ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا)، ونزل في ذلك قرآن يتلى، فقال جل شأنه: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا...}(التوبة:40)، وأشارت الحلقة إلى انسجام هذا الموقف النابع من اليقين بالله مع موقف عبد المطلب، لما قال: للبيت رب يحميه.

موقف يقين
الحديث النبوي الشريف أعلاه شاهد كذلك على عمق يقين النبي، صلى الله عليه وسلم، بالله وثقته بنصره، حيث نطق به لصحابته في ظروف صعبة ومحنة شديدة كانوا يتجرعون آلامها، بدليل أنهم جاؤوه شاكين الحال مستشفعين بدعائه الله أن ينصرهم، فكان اليقين في رده متجلياً، فبعد سماعه شكواهم، ضرب لهم مثلاً غاية في الوضوح على شدة معاناة السالفين من قسوة الابتلاء وصعوبة المحن، وما ردهم ذلك كله القهقرى عن عقيدتهم ومبادئهم وثوابتهم، ثم انتقل إلى القسم بالله العظيم أن الله ناصر دينه لا محالة، رغم ما هم فيه من بلاء، بل ذهب بهم بعيداً في الدلالة على ثقته بنصر الله لهم حين ربط قسمه على نصرهم المؤكد بذكر ثمرة من ثمار هذا النصر الذي سيكون، حيث بين لهم أن الأمن والأمان سيعمان الخلق في ظل نصر الله لهم، حتى إن المسافر بين بقاع الأرض سيسير دون خوف ولا وجل، إلا من الله والذئب على غنمه.

الثقة بنصر الله للقدس والمسجد الأقصى المبارك والمرابطين فيهما
الحديث عن اليقين بالله جل شأنه الذي تم استذكار بعض جوانبه بمناسبة الحديث عن أبعاد ودلالات قصة الفيل الذي ولد في عامه الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، يستحث القارئ على التدبر في مغازيه وأبعاده ودلالاته، خاصة عند ربطه بما يحل بالمسلمين اليوم من عداء محكم، وتكالب الأمم عليهم، ووضع مسرى نبيهم، عليه الصلاة والسلام، وقبلتهم الأولى في بؤرة الاستهداف الظالم الآثم، فالقاسم مشترك بين أهداف أبرهة الأمس وأعداء اليوم، إذ المقصود إطفاء نور الله، وهدم مساجده العظيمة، واستهدافها بالتدنيس والخراب ومحو الوجود، والمؤمن المعاني من شر هذا الجحيم على يقين مؤكد بأن الله لن يدع الظالم وشأنه، بل سيأخذه أخذ عزيز مقتدر، كما أخذ أبرهة من قبله، مصداقاً لقوله تعالى:{...وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}(الشعراء:227)، والمؤمنون من أهل القدس وأكنافها، المرابطون فيها، وفي مسجدها الأقصى المبارك، لا يساورهم أدنى شك بأن الله ناصرهم وإياهما ولو بعد حين، وما ذلك على الله بعزيز، وإيمانهم بهذه الحقيقة الإيمانية منغرس في أعماق قلوبهم، لا يزعزعه تعاظم البطش بهم، وترسانة عدوهم، وخذلان من وجب عليهم نصرهم، وتساقط بعضهم في مخازي التجرؤ على تسهيل تمليك عقارات القدس أو بعضها للمتربصين بهم وبقدسهم الشر، فهؤلاء ليسوا قدوتهم، وإنما أسوتهم الذين انحازوا إلى فسطاط العز والإباء ممن لو قدم لهم مال الثقلين، ليبيعوا شبراً من أرض القدس، أو غيرها من أرض فلسطين لأعدائها، لما قبلوا بالدنيا وزينتها ثمناً لذرة من تراب أرضهم، التي باركها الله، وجعلها قبلة للعابدين، ومحط أنظار المؤمنين، ومهوى أفئدة المسلمين الذين يتطلعون إلى تحرير قدسهم، ومسرى نبيهم، صلى الله عليه وسلم، من أيدي الغاصبين الظالمين، فالأمل عليهم معقود، لأنهم آمنوا بربهم بيقين، لا يزعزعه ريب أو بطش أو إغراء، يقينهم بأن الله عليهم رقيب، وأنه لن يضيعهم وقدسهم ومسجدهم الأقصى كما لم يضيع بيته الحرام من قبل.
سائلين الله العلي القدير أن ينتصر لمسجده الأقصى المبارك، كما انتصر لبيته الحرام والكعبة المشرفة في مكة المكرمة، وأن يرد الكيد عنهما كما رد كيد أبرهة، وأن ينتقم لهما ممن يقصدهما بسوء كما انتقم من أصحاب الفيل الذين جعل كيدهم في تضليل، فجعلهم كعصف مأكول، في عام الفيل الذي ولد فيه الرسول الأكرم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
7 ربيع الثاني 1440هـ

تاريخ النشر  2018-12-14
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس