.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ولد في عام الفيل - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال:(أَقْبَلَ أَصْحَابُ الفِيلِ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لِمَلِكِهِمْ: مَا جَاءَ بِكَ إِلَيْنَا مَا عَنَاكَ يَا رَبَّنَا أَلا بَعَثْتَ فَنَأْتِيكَ بِكُلِّ شَيْءٍ أَرَدْتَ؟ فَقَالَ: أُخْبِرْتُ بِهَذَا الْبَيْتِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إِلا آمَنَ، فَجِئْتُ أُخِيفُ أَهْلَهُ، فَقَالَ: إِنَّا نَأْتِيكَ بِكُلِّ شَيْءٍ تُرِيدُ فَارْجِعْ، فَأَبَى إِلا أَنْ يَدْخُلَهُ، وَانْطَلَقَ يَسِيرُ نَحْوَهُ وَتَخَلَّفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَقَامَ عَلَى جَبَلٍ فَقَالَ: لَا أَشْهَدُ مَهْلِكَ هَذَا الْبَيْتِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ قَالَ:
اللَّهُمَّ إِنَّ لِكُلِّ إِلَهٍ ... حَلالا فَامْنَعْ حَلَالَكْ
لا يَغْلِبَنَّ مُحَالُهُمْ ... أَبَدًا مِحَالَكْ
اللَّهُمَّ فَإِنْ فَعَلْتَ ... فَأْمُرْ مَا بَدَا لَكْ
فَأَقْبَلَتْ مِثْلُ السَّحَابَةِ مِنْ نَحْوِ الْبَحْرِ حَتَّى أَظَلَّتْهُمْ طَيْرٌ أَبَابِيلُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:{تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} قَالَ: فَجَعَلَ الْفِيلُ يَعُجُّ عَجًّا{فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}).(المستدرك على الصحيحين،2/583، هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)
تعرضت الحلقة السابقة التي أشارت إلى توافق ذكرى ميلاد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وحادثة أصحاب الفيل التي تحدث عنها القرآن الكريم في سورة الفيل، والتي كان من نتائجها ونهاياتها، إهلاك الفيل وأصحابه، وإنقاذ بيت الله الحرام، والكعبة المشرفة من كيدهم، حيث تم اقتباس مجمل لتلك القصة المتعلقة بهذه الحادثة بتصرف عن كتاب مختصر السيرة، وحديث ابن عباس المثبت نصه أعلاه، يتعرض لبعض جوانب تلك الحادثة الفظيعة، والتي كانت آية من آيات الله العظيمة.

حدث عدواني يتكرر
قصة الفيل في مجملها تعبر عن حالة اضطهادية عدوانية، بغض النظر عن الزمن الذي تمت فيه، أو الجهة المعتدية، أو الجهة المستهدفة بالعدوان، فأصحاب القوة والبطش حين يفتقرون إلى القيم النبيلة والأخلاق السوية، أو عندما يوجد لديهم خلل فيها، ينصب تفكيرهم على ما يحقق نزواتهم ومصالحهم وغطرستهم، بغض النظر عما سيواجه الآخرين من مآسي ومعاناة نتيجة لذلك، فهكذا كان حال أبرهة لما ساق جيشه لهدم الكعبة، على ما لها من قداسة عند العرب وقتها، فاستهان بذلك، واختار جلب الفيل كعامل من عوامل ضمان نجاح عمله وسعيه، لكن الله خيب أمله، فكانت الطامة التي حلت به وبجيشه وفيله، وهكذا يؤمل أن يجازى المستعمرون والمتغطرسون بجزاء مشابه لجزاء أبرهة، وليته
يكون أشدَّ من ذلك، فقد جاوز الظالمون المدى، فحقَّ عليهم أن يحل بهم عذاب الله وسخطه، وسيف انتقامه، وما ذلك على الله بعزيز.

اليقين بالله تعالى وقدرته وكفايته
يذكر الناس والمسلمون بخاصة رد عبد المطلب جد النبي، صلى الله عليه وسلم، على أبرهة، حين تعجب منه كيف يسأل عن إبله، ولم يسأل عن الأعظم، وهو البيت الحرام، فكان مستهجناً منه وهو سيد القوم، أن يهتم بالإبل، ولا يهتم بالأعظم، فكان رده الذي اشتهر عنه يفيد أنه هو رب الإبل، فيسأل عنها، أما البيت، فله رب يحميه، وكان مصيباً فيما اعتقد، إذ إن الله تعالى نصر بيته الحرام، وأزهق الباطل، وسحق الفيل وصاحبه، فعبد المطلب، وإن لم يدرك الإسلام ونبوة حفيده محمد، صلى الله عليه وسلم، إلا أنه كان لديه يقين بالله وقدرته، يفتقر لمثله كثير من الناس اليوم.
واليقين مصطلح يطلق على الإيمان الجازم القاطع بحقيقة شيء معين، وهو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه.(التفسير الكبير:2/31)
وقالوا: إن اليقين لا يحصل إلا إذا اعتقد أن الشيء كذا، وأنه يمتنع كون الأمر بخلاف معتقده، إذا كان لذلك الاعتقاد موجب، هو إما بديهية الفطرة، وإما نظر العقل.(التفسير الكبير:2/189)
ولليقين شواهد قرآنية تحث عليه، وتبين أهميته، وتبرز مواقف اكتسبت القوة منه، وفي السنة النبوية المطهرة شواهد دالة على اليقين وأهميته، وبخاصة في مواقف الشدة والابتلاء، حيث تم التعبير عن الثقة بالله ونصره في ساعات وظروف قاسية وعصيبة، مما يدل على عمق اليقين والثقة بالله تعالى، والتأكد من تحقق وعده بنصر الإيمان وأهله، والحق وأهله، ومحق الكفر، والباطل وأهلهما.

ذكر اليقين في القرآن الكريم
القرآن الكريم ذُكر فيه اليقين، وحق اليقين، وعلم اليقين، وعين اليقين، في سياق ست آيات قرآنية، فذكر اليقين مفرداً مستقلاً، دون إضافة إلى لفظ آخر في آيتين، إحداهما في سورة الحجر، والأخرى في المدثر، فقال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}(الحجر:99)، وقال سبحانه:{حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ}(المدثر:47)
والمراد باليقين في هاتين الآيتين هو الموت، أي جاءنا ونزل بنا الموت.(تفسير القرطبي:19/88)
وفي أحد أبواب صحيح البخاري، بَاب {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} قال سَالِمٌ: الْيَقِينُ الْمَوْتُ.(صحيح البخاري)، وقيل: هو الموت ومقدماته. (الكشاف:4/656)، وقيل: هو الموت وما بعده.(مجموع الفتاوى:11/418)
وإطلاق اليقين على الموت مجاز؛ لأن الموت لا يشك فيه.(فتح الباري:8/384)
عسى أن ييسر الله تعالى متابعة الحديث عن اليقين، حسب ذكره في القرآن الكريم، في إطار الحديث عن مزيد من أبعاد ودلالات قصة الفيل، الذي ولد في عامه الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
15 ربيع الأول 1440هـ

تاريخ النشر  2018-11-23
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس