.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ولد في عام الفيل - الحلقة الثالثة  

==========================================================

 عن خَارِجَة بن زَيْدِ بن ثَابِتٍ: (أَنَّ أُمَّ العَلاءِ -امْرَأَةً من الأَنْصَارِ- بَايَعَت النبي، صلى الله عليه وسلم، أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً، فَطَارَ لنا عُثْمَانُ بن مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ في أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الذي تُوُفِّيَ فيه، فلما تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ في أَثْوَابِهِ، دخل رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقلت: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ، لقد أَكْرَمَكَ الله، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: وما يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟ فقلت: بِأَبِي أنت يا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ الله؟ فقال: أَمَّا هو، فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، والله إني لأَرْجُو له الْخَيْرَ، والله ما أَدْرِي، وأنا رسول اللَّهِ، ما يُفْعَلُ بِي، قالت: فَوَاللَّهِ لا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا) (صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه)
وفي رواية صحيحة أخرى عن أُمِّ العَلاءِ، قالت: (وَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ في النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرْتُ ذلك له، فقال: ذَاكِ عَمَلُهُ يَجْرِي له) (صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب العين الجارية في المنام)
تعرضت الحلقة السابقة إلى مسألة تعبير قصة الفيل في مجملها عن حالة عدوانية تتكرر، فأبرهة لما ساق جيشه لهدم الكعبة على ما لها من قداسة عند العرب وقتها، استهان بذلك، واختار جلب الفيل كعامل من عوامل ضمان نجاح عمله وسعيه، لكن الله خيب أمله، وهكذا يؤمل أن يجازى المستعمرون والمتغطرسون بجزاء مشابه لجزاء أبرهة، ومن دلالات قصة الفيل على اليقين بالله تعالى وقدرته، ما كان من رد عبد المطلب جد النبي، صلى الله عليه وسلم، على أبرهة، حيث طالب بإبله المسلوبة؛ لأنه صاحبها، أما البيت فله رب يحميه، وكان مصيباً فيما اعتقد، إذ إن الله تعالى نصر بيته الحرام، وأزهق الباطل، وسحق الفيل وصاحبه، واليقين مصطلح يطلق على الإيمان الجازم القاطع بحقيقة شيء معين، ولليقين شواهد قرآنية تحث عليه، وتبين أهميته، وتبرز مواقف اكتسبت القوة منه، والقرآن الكريم ورد فيه ذكر اليقين، وعلم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، في سياق ست آيات قرآنية، فذكر اليقين مفرداً مستقلاً، دون إضافة للفظ آخر في آيتين، إحداهما في سورة الحجر، والأخرى في المدثر، فقال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر:99) {حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} (المدثر:47) والمراد باليقين في هاتين الآيتين هو الموت.

وجه وصف الموت باليقين
يؤيد الحديث الشريف المثبت نصه أعلاه، تفسير اليقين في آيتي الحجر والمدثر بأنه الموت، ووجه هذا التفسير أن الإنسان بعد الموت، تتبين له حقائق الهدى والضلال (أضواء البيان، 6/349)، وقيل: إن الموت سمي باليقين؛ لأنه أمر متيقن.(التفسير الكبير، 19/171)
فوصف الموت باليقين؛ لأنه متيقن اللحوق بكل حي مخلوق، وإسناد الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجه إلى الحي، طالب للوصول إليه.(تفسير أبي السعود ،5/93)
ويرى بعض العلماء أن اليقين ليس من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين، لا يمتري فيه عاقل، فسماه هنا يقينا تجوزاً، أي يأتيك الأمر اليقين علمه ووقوعه، وهذه الغاية معناها مدة حياتك، ويحتمل أن يكون المعنى حتى يأتيك اليقين في النصر الذي وعدته. (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 3/376)
ويرى صاحب المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أن اليقين في قوله تعالى:{حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ} (المدثر:47)، معناه صحة ما كانوا يكذبون به من الرجوع إلى الله تعالى والدار الآخرة، وما قاله المفسرون عن اليقين بأنه الموت، هو عنده متعقب؛ لأن نفس الموت يقين عند الكافر، وهو حي، فإنما اليقين الذي عنوا في هذه الآية الشيء، الذي كانوا يكذبون به، وهم أحياء في الدنيا، فتيقنوه بعد الموت. (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 5/399)

إضافة اليقين إلى الحق في القرآن الكريم
إضافة إلى ورود ذكر اليقين مفرداً دون إضافة، في آيتي الحجر والمدثر، ورد ذكره مضافاً إلى الحق مرتين في القرآن الكريم، إحداهما في سورة الواقعة، والثانية في الحاقة، فقال تعالى:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} (الواقعة:95)، وقوله سبحانه: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ}(الحاقة:51)
الإشارة في قوله تعالى:{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} (الواقعة:95)، إلى ما تضمنته هذه السورة ـ الواقعةـ من أحوال الخلق في الآخرة، وحق اليقين معناه الثابت من اليقين. (التسهيل لعلوم التنزيل، 4/94)
وبالنسبة إلى اليقين في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} (الحاقة:51) معناه أنه حق يقين؛ أي حق لا بطلان فيه، ويقين لا ريب فيه، ثم أضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد. (التفسير الكبير، 30/106)
ونقل عن الكوفيين أن هذا من إضافة الشيء إلى نفسه، كقول: مسجد الجامع، وقال الزمخشري: المعنى عين اليقين، ومحض اليقين، وقال ابن عطية: ذهب الحذَّاق إلى أن الحق مضاف إلى الأبلغ من وجوهه. (التسهيل لعلوم التنزيل، 4/145)
آملين التمكن من متابعة الحديث عن اليقين حسب ذكره في القرآن الكريم، في إطار الحديث عن مزيد من أبعاد ودلالات قصة الفيل، الذي ولد في عامه الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
22 ربيع الأول 1440هـ

تاريخ النشر  2018-11-30
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس