.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ولد في عام الفيل -الحلقة الأولى  

==========================================================

 في عام ميلاده عليه الصلاة والسلام، قبل ما يقارب الخمسة عشر قرناً من الزمان، أهلك الله أصحاب الفيل، وجعل كيدهم في تضليل، وفي سورة الفيل يُذكر الله جل في علاه الرسول، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين والخلق أجمعين في كل زمان وحين، بحادثة الفيل، فيقول عز وجل:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ *فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}(سورة الفيل)
هذه السورة الكريمة تتحدث عن إهلاك الله أصحاب الفيل، في حادثة تاريخية مشهودة، ألمحت لبعض جوانبها آيات سورة الفيل المثبتة أعلاه، والتي نسب سبحانه فيها إلى نفسه فعل ما كان لأصحاب الفيل يعني الإهلاك، وجعل كيدهم في تضليل، وإرسال طير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، وجعلهم في النهاية كعصف مأكول.
في العام الذي حدث فيه إهلاك أصحاب الفيل على النحو المبين في السورة القرآنية الكريمة، والذي أطلق عليه عام الفيل، ولد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس، رضي الله عنهما: (ولد النبي، صلى الله عليه وسلم، عام الفيل) (المستدرك على الصحيحين:2/658، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)
فتوافق حدث الميلاد الكريم لخاتم النبيين محمد، صلى الله عليه وسلم، وتزامن مع إنقاذ الكعبة المشرفة، وبيت الله الحرام من كيد أصحاب الفيل، الذين أهلكهم الله تعالى قبل أن تمتد أياديهم بالأذى لبيته المحرم، فأحبط الله خطتهم الكيدية، وجعلها في تضليل.

قصة الفيل وأصحابه
القصة التاريخية الخاصة بالفيل الذي قدم به أبرهة من اليمن ضمن حملة عسكرية هدفت إلى هدم بيت الله الحرام في مكة، تحدثت عنها أخبار عديدة، تفيد أن أبرهة كان عاملاً للنجاشي ملك الحبشة على اليمن، فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة فبنى كنيسة بصنعاء، وكتب إلى النجاشي أني بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها، ولست منتهياً حتى أصرف إليها حج العرب، وحلف ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، فسأله أن يبعث إليه بفيلة، وكان له فيل يقال له محمود، لم يُرَ مثله عظماً وجسماً وقوة، فبعث به إليه، فخرج أبرهة سائراً إلى مكة، فسمعت العرب بذلك، فأعظموه ورأوا جهاده حقاً عليهم، واقتتل في طريقه مع بعضهم، وتواطأ معه بعضهم، كبعض أهل الطائف، الذين بعثوا معه مولى لهم يدعى أبا رغال، وبعث أبرهة رجلاً من الحبشة - يقال له الأسود بن مفصود - على مقدمة خيله، وأمر بالغارة على نَعَم الناس، فجمع الأسود إليه أموال الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير، ثم بعث رجلاً من حمير إلى أهل مكة، فقال: أبلغ شريفها أنني لم آت لقتال، بل جئت لأهدم البيت، فانطلق، فقال لعبد المطلب ذلك، فقال عبد المطلب: ما لنا به يدان، سنخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله، وبيت خليله إبراهيم، فإن يَمْنَعَهُ فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبين ذلك فو الله ما لنا به من قوة.
ولما أحضر عبد المطلب بصفته سيد القوم إلى أبرهة طلب منه أن يرد عليه المائتي البعير التي أصابها من ماله، فقال أبرهة لترجمانه: قل له: إنك كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت فيك، قال: لِمَ؟ قال: جئت إلى بيت - هو دينك ودين آبائك وشرفكم وعصمتكم – لأهدمه، فلم تكلمني فيه، وتكلمني في مائتي بعير؟! قال: أنا رب الإبل، والبيت له رب يمنعه منك، فقال: ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت وذاك، فأمر بإبله فردت عليه، ثم خرج وأخبر قريشاً الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا في رؤوس الجبال، خوفاً عليهم من مَعَرَّة الجيش، ففعلوا، وأَتى عبدُ المطلب البيتَ، فأخذ بحلقة الباب، ومما قال:
يا رب لا أرجو لهم سواكا
يا رب فامنع منهمو حماكا
إن عدو البيت من عاداكا
فامنعهمو أن يخربوا قراكا
جروا جموعهم وبلادهم
والفيل كي يسبوا عيالك
إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمْر ما بدا لك
وتهيأ أبرهة للدخول، وعبأ جيشه، وهيأ فيله، فأقبل نفيل إلى الفيل، فأخذ بإذنه، فقال: ابرك محمود، فإنك في بلد الله الحرام، فبرك الفيل، فبعثوه، فأبى، فوجهوه إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك، وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل، فأرسل الله طيراً من قبل البحر، مع كل طائر ثلاثة أحجار؛ حجرين في رجليه، وحجراً في منقاره، فلما غشيت القوم، أرسلتها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحداً إلا هلك، وليس كلَّ القوم أصابت، فخرج البقية. (بتصرف عن مختصر السيرة:1/51-54)
آملين أن ييسر الله تعالى متابعة الحديث عن بعض أبعاد قصة الفيل ومغازيها ودلالاتها، التي في عامها ولد الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
8 ربيع الأول 1440

تاريخ النشر  2018-11-16
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس