.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 وعنايته بالمسرى والأسرى - الحلقة الثانية والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ، قال سُفْيَانُ: وَالعَانِي الأَسِيرُ)(صحيح البخاري، كتاب الأطعمة، باب منه)
تعرضت الحلقة السابقة إلى جانب من العناية بالمسرى، حيث تم بيان المراد بالرحال وشدها إلى المساجد الثلاثة، كما ذكر تعريف مجمل للمساجد الثلاثة، وفيما يخص المسجد الأقصى، فسُمِي بهذا الاسم لبعده عن المسجد الحرام، إما في المسافة، أو في الزمان، ويحسن بالمسلمين التيقن بما يدفع كل تشكيك بحقيقة قصد المسجد الأقصى المبارك الموجود في بيت المقدس، في آية الإسراء القرآنية، التي ربطت بينه وبين المسجد الحرام، دون أن يلقوا بالاً لمروجي الأفكار المشبوهة، التي تحاول زعزعة إيمانهم بالمكانة العقائدية، التي يحتلها المسجد الأقصى لديهم.

استصراخ المسرى والأسرى
في ظل العداء الظالم، والاستهداف الواضح للمسرى والأسرى، يتقاطع الحديث عنهما في مشتركات عدة، فهما أسيران، وحق على المسلمين نصرتهما، وأداء الواجب لهما، وإذا كان الحث على شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك يندرج في سياق الانتصار العملي والواقعي له، فالأسير الفلسطيني الذي يكابد المشاق، ويواجه الصعاب، تلزمه نصرة عملية لتخفيف آلامه ومعاناته، وفي الحديث الشريف أعلاه، حث واضح على العمل لإطلاق سراح الأسرى، فالعاني الذي يأمر عليه الصلاة والسلام بفكه هو الأسير، الذي من حقه على أمته ألا تنساه، وأن تعمل بكل السبل المتاحة على إنقاذه من قيد الأسر، فهو يقبع وراء قضبان سجّانيه ليس لجريمة ارتكبها، وإنما لأنه رفع الهامة منتصراً لكرامة أمته، وحقوقها المشروعة، والدفاع عن حياضها، والذود عن مقدساتها، التي يدنسها الظالمون صباح مساء، دون رادع أو حسيب.
وإذا كان الله سبحانه، قد أنكر التقاعس عن نصرة المستضعفين، فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً}(النساء: 75)، فكيف إذا كان المستنصر والمستصرخ المسرى والأسرى؟! بما لهما من مكانة، وحق على عامة المسلمين وخاصتهم، فهما يكابدان من الغاصبين المحتلين الظالمين، وتبث مكابدتهما شاشات العرض على اختلاف أشكالها وأحجامها، فمن فاته الجلوس أمام التلفاز، فبين يديه هاتفه الذي يأتيه بمستجدات الأخبار أولاً بأول، فكيف إذاً سيعذر المتقاعسون عن نصرتهما بما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، سائلين الله العلي القدير أن يجعل للمسرى والأسرى من لدنه ولياً ونصيراً.
وحق لمطالعي تاريخ عزة أمة الإسلام، وصفحات تاريخها المجيد، أن يتساءلوا عن معتصم للأسرى والمسرى، كالمعتصم بالله لما وصلته صيحة امرأة، فلبى النداء، وانتصر للمستغيثة من ظالميها، ولما يشتد الخناق بالمسرى والأسرى، وتبث أخباره على الهواء لشتى بقاع الدنيا، يلجأ المطالعون للمشهدين إلى إعادة ترداد قول الشاعر:
رب وا معتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
قد لامست أسماعهم لكنها ما لامست نخوة المعتصم
وإعادة استذكار هذا الشعر لا يكون دافعه التسلي، ولا تقريع الناس وتأنيبهم، وإنما يهدف إلى استنهاض الهمم، لتجاوز التقصير، واستلهام العبر من مواقف من وجب التأسي بشجاعتهم، وكرامتهم، ويقظتهم، وحسن أدائهم لواجبهم، وبخاصة تجاه أسمى القضايا.

يوم الأسير الفلسطيني
يوافق السابع عشر من نيسان يوم الأسير الفلسطيني، الذي حق له أن يذكر ويؤازر في أيام العام كلها، وأشكال مؤازرة الأسير مجالاتها كثيرة، فمعاضدة أسرة الأسير، والعناية بذويه، ولو بالزيارة المؤنسة، وإدامة الدعاء له بالحرية، وحفظ حقوقه، وتجنب التعدي عليها، بأي شكل من الأشكال، كل ذلك وما شابهه يعتبر من أضعف الإيمان، الذي يستطيعه عامة الناس وخاصتهم، ويندرج أداء هذا المستوى من المعاضدة للأسير في إطار الحث القرآني العام، الذي أمر الله سبحانه من خلاله بالتعاون على البر والتقوى، فقال تعالى: {...وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(المائدة: 2)
كما أن تجاهل حقوق الأسرى، والنكوص عن أداء واجب مؤازرتهم، يندرج في إطار الخذلان المنهي عنه، فعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى، ها هنا -وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ، أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)(صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله)
يذكر النووي عن العلماء في قوله: (ولا يَخْذُلُهُ)، قولهم: الخذل ترك الإعانة، والنصر، ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه، لزمه إعانته إذا أمكنه، ولم يكن له عذر شرعي.(صحيح مسلم بشرح النووي 16/120)
سائلين الله العلي القدير، أن يحفظ مسرانا وأسرانا، من كل كيد، وأن ييسر لنا وللمسلمين العمل على إنقاذهما وتحريرهما لنرضيه ورسوله الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
13 شعبان 1440هـ

تاريخ النشر  2019-04-19
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس