.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 وعنايته بالمسرى والأسرى - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ؛ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ، صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)(صحيح البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)
زيادة على الأمر بشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، بالاقتران مع الحث على شد الرحال إلى صِنْوَيه؛ المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، فهذا الحديث الشريف يدل بما لا يدع مجالاً للشك على أهمية هذه المساجد الثلاثة في دين الإسلام، وعباداته، وتاريخه، ومقدساته، فهي المساجد الأعظم في الإسلام، قبلة الإسلام الأولى وتاليها، ومنطلق دعوته، ومهد دولته الأولى، وطرفا مسرى نبيه، صلى الله عليه وسلم، مصداقاً لقوله عز وجل: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(الإسراء: 1)

المراد بالرحال وشدها إلى هذه المساجد
الرسول، صلى الله عليه وسلم، حصر في هذا الحديث الشريف، تشريع شد الرحال بقصد التعبد، ونيل الفضل، ومضاعفة المثوبة في هذه المساجد الثلاثة، دون سواها من المساجد مهما بلغت عظمتها.
جاء في عمدة القاري أن قوله: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ) على صيغة المجهول، بلفظ النفي، بمعنى النهي، أي: لا تشدوا الرحال، ونكتة العدول عن النهي إلى النفي لإظهار الرغبة في وقوعه، أو لحمل السامع على الترك أبلغ حمل، بألطف وجه، وقال الطبري: النفي أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع؛ لاختصاصها بما اختصت به.
وفي رواية لمسلم، عن الزُّهْرِيِّ بهذا الإسناد، غير أَنَّهُ قال: (تُشَدُّ الرِّحَالُ إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ)(صحيح مسلم)، فذكره من غير حصر، وليس في هذه الرواية منع شد الرحال لغيرها.
ثم التعبير بشد الرحال خرج مخرج الغالب في ركوب المسافر، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والحافلات والطائرات والمشي في هذا المعنى، ويدل عليه قوله في رواية صحيحة أخرى عن أَبي هُرَيْرَةَ، يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (إنما يُسَافَرُ إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ)(صحيح مسلم، كتاب الحج، باب ل تنشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)
والرحال جمع رحل، وهو للبعير، كالسرج للفرس، وهو أصغر من القتب، وشد الرحل كناية عن السفر؛ لأنه لازم للسفر، وتقدير الكلام لا تشد الرحال إلى موضع، أو مكان، إلا إلى هذه الثلاثة.(عمدة القاري 7/252- 253، بتصرف)

تعريف مجمل بالمساجد الثلاثة
وفي عمدة القاري أيضاً، أن قوله: (المَسْجِدِ الحَرَامِ) أي المحرم، وقوله: (وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ) الألف واللام فيه للعهد، عن سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: ما نكتة العدول عن قوله: (وَمَسْجِدِي) بالإضافة إليه، أجيب بأن: الإشارة إلى التعظيم على أنه يجوز أن يكون هذا من تصرف بعض الرواة، والدليل عليه قوله في حديث أبي سعيد: (...ولا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)(صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء)
وقوله: (وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) بإضافة الموصوف إلى الصفة، وفيه خلاف، فجوزه الكوفيون، كما في قوله تعالى:{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْر...}(القصص:44)، وأوله البصريون بإضمار المكان؛ أي بجانب المكان الغربي، ومسجد البلد الحرام، ومسجد المكان الأقصى، وسمي المسجد الأقصى لبعده عن المسجد الحرام، إما في المسافة، أو في الزمان، وقد ورد في الحديث أنه كان بينهما أربعون سنة، فعن أبي ذَرٍّ، قال: قلت: (يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلُ؟ قال: المَسْجِدُ الحَرَامُ، قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟ قال: المَسْجِدُ الأَقْصَى، قلت: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قال: أَرْبَعُونَ سَنَةً)(صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة)
وقال الزمخشري: المسجد الأقصى بيت المقدس؛ لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة؛ لأنه بعيد من مكة، وبيت المقدس أبعد منه، وقيل: لأنه أقصى موضع من الأرض ارتفاعاً وقرباً إلى السماء، يقال: قصى المكان، يقصو قصواً بعد، فهو قصي، ويقال: فلان بالمكان الأقصى، والناحية القصوى.
ومما يستفاد من هذا الحديث أن فيه فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها، لكونها مساجد الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ لأن المسجد الحرام قبلة المسلمين، وإليه حجهم، ومسجد الرسول، صلى الله عليه وسلم، أسس على التقوى، والمسجد الأقصى مسرى النبي، صلى الله عليه وسلم، وقبلة المسلمين الأولى، وفيه أن الرحال لا تشد إلى غير هذه الثلاثة، لكن اختلفوا على أي وجه؟ فقال النووي: معناه لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد ما غير هذه الثلاثة، ونقله عن جمهور العلماء، وقال ابن بطال هذا الحديث إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة. (عمدة القاري، 7/252- 253، بتصرف)
فهذه ملامح للعناية النبوية بالمسجد الأقصى المبارك، آملين أن ييسر الله متابعة الحديث عن العناية بالمسرى والأسرى، حسب ما جاء في سنة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
6 شعبان 1440هـ

تاريخ النشر  2019-04-12
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس