.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ودعاؤه إذا قام من الليل - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا قام من اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قال: ... وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ، صلى الله عليه وسلم حَقّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهمَّ لك أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، وما أَسْرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ، أنت المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إِلَهَ إلا أنت، أو لا إِلَهَ غَيْرُكَ) (صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب التهجد بالليل، وقوله عز وجل: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك}(الإسراء: 78)
وقفت الحلقة السابقة عند شرح مجمل للجزء الأول من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، الذي يروي فيه ما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يقوله إذا قام من اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، فكان يبدأ دعاءه بحمد الله، والثناء عليه سبحانه، فهو سبحانه قَيِّمُ السماوات وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وهو نورهما، ومن فيهن، وهو ملكهما، وهو الحق، ووعده حق، ولقاؤه حق، وقوله حق، والجنة حق، والنار حق.
والجزء الثاني من حديث ابن عباس، المشار إليه أعلاه، حسب ما انتهى عنده الشرح المجمل في الحلقة السابقة يبدأ من قوله صلى الله عليه وسلم:(... وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ، صلى الله عليه وسلم حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ...)
قوله صلى الله عليه وسلم: (وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ) شهادة وإقرار بنبوة النبيين، فهم مكلفون بالنبوة من عند الله، وخص محمداً بالذكر، رغم أنه من النبيين، وإن كان داخلاً فيهم، وعطفه عليهم، من قبيل عطف الخاص على العام تعظيماً. (حاشية السيوطي على سنن النسائي، 3/210)
وجاء في عمدة القاري، أن قوله: (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ)؛ أي يوم القيامة، وأصل الساعة القطعة من الزمان، ثم أطلق على يوم القيامة، فصار اسماً لها.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ لك أَسْلَمْتُ)؛ أي انقدت وخضعت لأمرك ونهيك، واستسلمت لجميع ما أمرت به، ونهيت عنه.
وقوله: (وَبِكَ آمَنْتُ)؛ أي صدقت بك، وبما أنزلت من أخبار وأمر ونهي، فظاهره أن الإيمان ليس بحقيقة الإسلام، وإنما الإيمان التصديق، وقال القاضي أبو بكر: الإيمان المعرفة بالله، والأول أشهر في كلام العرب، قال الله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} (يوسف:17)؛ أي بمصدق، إلاّ أن الإسلام إذا كان بمعنى الانقياد والطاعة، فقد ينقاد المكلف بالإيمان، فيكون مؤمناً مسلماً، وقد يكون مصدقاً في بعض الأحوال دون بعض، فيكون مسلماً لا مؤمناً، وقال الخطابي: المسلم قد يكون مؤمناً في بعض الأحوال دون بعض، والمؤمن مسلم في الأحوال جمعيها، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً.
وقوله: (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ)؛ أي فوضت الأمر إليك، قاطعاً للنظر عن الأسباب العادية، ويقال: أي تبرأت من الحول والقوة، وصرفت أمري إليك، وأيقنت أنه لن يصيبني إلاّ ما كتب لي وعليّ، ففوضت أمري إليك، ونِعْمَ المفوض إليه، قال الفراء: الوكيل الكافي.
وقوله: (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ)؛ أي رجعت إليك في تدبير أمري، والإنابة الرجوع، أي رجعت إليك مقبلاً بالقلب عليك، ومعناه رجعت إلى عبادتك.
وقوله: (وَبِكَ خَاصَمْتُ)؛ أي وبما أعطيتني من البرهان والسنان، خاصمت المعاند، وقمعته بالحجة والسيف.
وقوله: (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ)؛ أي كل من جحد الحق حاكمته إليك، وجعلتك الحاكم بيني وبينه، لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية؛ من صنم وكاهن ونار ونحو ذلك، والمحاكمة رفع القضية إلى الحاكم، وقيل: ظاهره أن لا يحاكمهم إلاّ الله، ولا يرضى إلا بحكمه، قال الله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}(الأعراف: 89)
ثم من قوله: (لك أَسْلَمْتُ) إلى قوله: (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) قدم صلاة الأفعال المذكورة فيه؛ للإشعار بالتخصيص، وإفادة الحصر، وكذلك في قوله: (ولك الحمد) في أربعة مواضع.
وقوله: (فَاغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ) إنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم، مع أنه مغفور له، لوجهين:
أحدهما: للتواضع، وهضم النفس، والإجلال لله تعالى، والتعظيم له عز وجل.
الثاني: للتعليم لأمته، ليقتدوا به في أصل الدعاء والخضوع، وحسن التضرع، والرغبة والرهبة، والمغفرة تغطية الذنب، وكل ما غطى فقد غفر، ومنه المغفرة.
وقوله: (ما قَدَّمْتُ)؛ أي قبل هذا الوقت، (وما أَخَّرْتُ) عنه.
أمر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بالإشفاق والدعاء إلى الله تعالى، والرغبة إليه أن يغفر ما يكون من غفلة تعتري البشر، وما قدم ما مضى، وما أخّر ما يستقبل، وذلك مثل قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح: 2)، وقال أهل التفسير: الغفران في حقه يتناول من أفعاله الماضي والمستقبل.
وقوله: (وما أَسْرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ)؛ أي وما أخفيت، (وما أَعْلَنْتُ)؛ أي وما أظهرت، أو المعنى ما حدثت به نفسي، وما تحرك به لساني.
وقوله: (أنت الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قال ابن التين: أنت الأول، وأنت الآخر. (عمدة القاري، 7/167)
آملين في الحلقة القادمة التمكن من بيان أهمية حديث ابن عباس سالف الذكر، ومتابعة الوقوف عند المزيد من ذكر دعاء التهجد وقيام الليل حسب ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
3 جمادى الآخرة 1440هـ

تاريخ النشر  2019-02-08
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس