.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 ودعاؤه إذا قام من الليل - الحلقة الأولى

==========================================================

 عن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قال: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، إذا قام من اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قال:
اللهم لك الحَمْدُ، أنت قَيِّمُ السموات وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ
وَلَكَ الحَمْدُ لك مُلْكُ السموات وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ
وَلَكَ الحَمْدُ أنت نُورُ السموات وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ
وَلَكَ الحَمْدُ أنت مَلِكُ السموات وَالأَرْضِ
وَلَكَ الحَمْدُ أنت الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ
وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ، صلى الله عليه وسلم حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ
اللهم لك أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ
فَاغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ، وما أَخَّرْتُ، وما أَسْرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ
أنت المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إِلَهَ إلا أنت أو لا إِلَهَ غَيْرُكَ)(صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب التهجد بالليل وقوله عز وجل: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك)(الإسراء: 79)
يخبر هذا الحديث الشريف عن دعاء للنبي، صلى الله عليه وسلم، كان يردده خلال قيامه من الليل يتهجد، وكان يبدأه بحمد الله، والشهادة له سبحانه بدوام القيام بتدبير أمور السماوات والأرض ومن فيهن، وأن له ملكهما وهو نورهما، جاء في عمدة القاري أن قوله: (إذا قام من اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ)، وظاهر الكلام: أنه كان يدعو بهذا الدعاء أول ما يقوم إلى الصلاة، ويخلص الثناء على الله تعالى بما هو أهله، والإقرار بوعده ووعيده، و قوله: (اللهمَّ) أصله يا الله، وقوله: (أنت قَيِّمُ السماوات وَالأَرْضِ) والقيم والقيام والقيوم بمعنى واحد، وهو الدائم القيام بتدبير الخلق المعطي له ما به قوامه، أو القائم بنفسه، المقيم لغيره، وقال ابن عباس القيوم هو الذي لا يزول، وقيل هو القائم على كل نفس، ومعناه مدبر أمرها، وقيل قيام على المبالغة، من قام بالشيء إذا هيأ له جميع ما يحتاج إليه، وقيل قيم السموات والأرض خالقهما، وممسكهما أن تزولا، وقال قتادة معنى القيم القائم على خلقه بآجالهم وأعمالهم وأرزاقهم.
قوله: (أنت نُورُ السماوات وَالأَرْضِ) أي منورهما وقُرىء: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}(النور:35) على صيغة
الماضي، من التنوير، وقيل منزه في السموات والأرض من كل عيب، ومبرأ من كل ريبة، وقيل هو اسم مدح، يقال:
فلان نور البلد، وشمس الزمان، وقال أبو العالية: مزين السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والأولياء، وقال ابن بطال: أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، أي بنورك يهتدي من في السموات والأرض، وقيل: معناه ذو نور السموات والأرض.
قوله: (مُلْكُ السماوات وَالأَرْضِ) كذا في رواية الأكثرين وفي رواية: (لك مُلْكُ السماوات وَالأَرْضِ) قوله: (أنت الحَقُّ) معناه المتحقق وجوده، وكل شيء صح وجوده وتحقق، فهو حق، ومنه قوله تعالى: {الْحَاقَّةُ} (الحاقة: 1)؛ أي الكائنة حقاً بغير شك، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية، ولا ينبغي لغيره، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه أنت الحق بالنسبة إلى من يدعي فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سماك إلهاً، فقد قال الحق، وإنما عرف الحق في الموضعين، وهما أنت الحق، ووعدك الحق، ونكر في البواقي؛ لأن المسافة بين المعرف باللام الجنسية والنكرة قريبة، بل صرحوا بأن مؤداهما واحد، لا فرق إلاَّ بأن في المعرفة إشارة إلى أن الماهية التي دخل عليها اللام معلومة للسامع، وفي النكرة لا إشارة إليه، وقال الطيبي: عرفهما للحصر؛ لأن الله هو الحق الثابت الباقي، وما سواه في معرض الزوال وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم. قوله: (وَوَعْدُكَ الحَقُّ) الوعد يطلق، ويراد به الخير والشر كلاهما، والخير أو الشر خاصة، قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} (البقرة:268)، وليس في وعد الله خلف، فلا يخلف الميعاد، {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} (النجم:31) إلاّ ما تجاوز عنه، وقيل في قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ} (إبراهيم: 22)؛ أي وعد الجنة من أطاعه، ووعد النار من كفر به، ويحتمل أن يريد أن وعده حق بمعنى إثبات أنه قد وعد بالحق بالبعث، والحشر، والثواب، والعقاب، إنكاراً لقول من أنكر وعده بذلك، وكذب الرسل فيما بلغوه من وعده، ووعيده.
قوله:(وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) اللقاء البعث، أو رؤية الله تعالى، وقيل الموت، وفيه ضعف، ورده النووي. قوله: (وَقَوْلُكَ حَقٌّ)؛ أي صدق وعدل، وقال الكرماني: فإن قلت القول يوصف بالصدق والكذب، يقال قول صدق أو كذب، ولهذا قيل الصدق هو بالنظر إلى القول المطابق للواقع والحق، بالنظر إلى الواقع المطابق للقول، وقد يقال أيضاً قول ثابت، ثم إنهما متلازمان، قوله: (وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ) فيه الإقرار بهما وبالأنبياء، وقال ابن التين: فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها أن خبره بذلك لا يدخله كذب، ولا تغيير، ثانيها أن خبر من أخبر عنه بذلك، وبلغه حق، ثالثها أنهما قد خلقتا.(عمدة القاري 7/166- 167)
على أمل متابعة شرح ما تبقى من عبارات وألفاظ هذا الحديث الشريف في الحلقة القادمة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله الطاهرين وأزواجه أجمعين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
26 جمادى الأولى 1440هـ

تاريخ النشر  2019-02-01
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس