.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 وانتصاراته العسكرية في رمضان  

==========================================================

 عن عَائِشَةَ، قالت: (كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يُكْثِرُ من قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إليه، قالت: فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَاكَ تُكْثِرُ من قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إليه؟ فقال: خَبَّرَنِي رَبِّي، أَنِّي سَأَرَى عَلامَةً في أُمَّتِي، فإذا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ من قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إليه، فَقَدْ رَأَيْتُهَا {إذا جاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ـ فَتْحُ مَكَّةَـ وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنه كان تَوَّابًا}) (صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود)
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، سبح بحمد ربه على إثر فتح مكة، ومعلوم أن سورة النصر المذكورة في نص هذا الحديث، نزلت في أعقاب غزوة الفتح الأعظم، التي وقعت في العشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، فالله توج انتصارات المسلمين، في معاركهم التي خاضوها مع أعدائهم، بقيادة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالنصر الأكبر والمبين، الذي تحقق لهم، بعد بضع سنين من الهجرة، وذلك بالفتح الأعظم لمكة المكرمة، وهي نعمة ربانية جديرة بالحمد، وما يقترن به من تسبيح، واستغفار، وإنابة لله الحي القيوم.

باكورة الانتصارات الرمضانية
سبق الانتصار الرمضاني العظيم الذي تحقق بفتح مكة المكرمة، انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى، الذي يمثل باكورة انتصاراتهم العسكرية، إذ التقى جيشهم بقيادة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بجيش قريش، التي اضطره اضطهادها إلى أن يهاجر وصحبه الكرام من مكة، حتى استقر بهم المطاف إلى أن يسكنوا يثرب، التي أضحت بعد الهجرة تسمى المدينة المنورة، حيث تشارك فيها المهاجرون الذين قدموا إليها من مكة المكرمة، مع إخوانهم الأنصار، وتشكل من مجموع الجماعتين، معسكر الإيمان الذي انتصر للإسلام، وحمل واجب الدعوة إليه، وفي العام الثاني من هذا التشكل حدث حسم عسكري قلب الموازين والاعتبارات، لما انتصر معسكر المسلمين في أكبر لقاء حدث بعد الهجرة بينهم وبين الذين اضطهدوا نبيهم ودينهم، وأوائل المسلمين، وكان ذلك في السابع عشر من رمضان في العام الثاني للهجرة.
والقرآن الكريم في مواضع مختلفة أسهب في تسجيل بعض أحداث هذا اللقاء الحاسم ووصفه، ففي سورة آل عمران أخبر سبحانه عن تفضله على المسلمين بالانتصار في بدر، فقال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (آل عمران: 123)
ومن أوسع السور القرآنية حديثاً عن غزوة بدر ومجرياتها، سورة الأنفال، التي بدئت آيتها الأولى بالحديث عن الأنفال، فقال تعالى:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (الأنفال:1)
والخطاب في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ...} للنبي، صلى الله عليه وسلم، والسائلون هم الصحابة، والأنفال هي الغنائم، التي بين الله كيفية توزيعها، وعن عبادة بن الصامت قوله: نزلت فينا، أصحاب بدر، حين اختلفنا، فنزع الله الأنفال من أيدينا، وجعلها لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقسمها على السواء، فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وإصلاح ذات البين. (التسهيل لعلوم التنزيل، 2/60)

دلالة الأنفال على حصول الانتصار
من دلالات بداية سورة الأنفال ومسماها، إلى جانب بيان حكم الله جل في علاه في توزيع الغنائم، أنها تدل على انتقال أحوال المسلمين في مواجهة أعداء دينهم، من مرحلة تلقي الأذى والصبر، إلى مرحلة الانتصار العسكري الذي كانت من ثماره الفوز بغنائم العدو، مما يعني كثيراً بالنسبة إلى المسلمين وأعدائهم، والمراقبين من غيرهما، فالمسألة لا تنحصر في نطاق العائد المالي من هذا الانتصار العسكري فحسب، وإنما تمتد لتشمل الجانب المعنوي، المتمثل في رفع معنويات المسلمين، وزرع المهابة منهم في صدور الآخرين؛ أعداء ومراقبين.
قبل أن يخوض المسلمون غزوة بدر، وعدهم الله بالنصر إن وقعت المعركة مع أعدائهم، أو نيل الغنيمة منهم دون قتال، وفي بداية الأمر رغب بعض المسلمين في الأسلم، أي رغبوا في الغنيمة دون قتال، لكن الله أراد غير ما أرادوا، أراد لهم نصراً عزيزاً، تكون من ثماره الغنيمة، وليس فقط مجرد وضع اليد على أموال العدو، وضرب اقتصادهم، وعن هذه الحيثيات يحدث القرآن الكريم بصورة واضحة ناطقة، فيقول جل شأنه: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ* لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (الأنفال:7-8)
فإحقاق الحق، وإبطال الباطل، وقطع دابر الظالمين والكافرين والمجرمين، في اعتبار الله مقدماً على مجرد نيل الغنائم والفوز بها بسلام، وهذا الاعتبار لم يتحمس إليه بعض المسلمين في بداية الأحداث، حتى وقع قضاء الله فيهم وقدره، فكان النصر الذي أعزهم والمسلمين من بعدهم، وحفظ لهم دينهم، ودالت لهم بسببه القبائل، وهابهم الناس، وصاروا يحسبون لهم الحسابات والاعتبارات، فحمداً لله على ما يسر وقدر، وعسى أن يهيئ لنا وللمسلمين الذين يصدقونه وينصرونه السبل لتحقق وعده الصادق، المتضمن في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)

خوض المعارك في رمضان يدحض ذريعة التثاقل عن أداء الواجبات بسبب الصيام
خوض المسلمين الغزوة المصيرية الأولى التي وقعت في صدر الإسلام، على مشارف دولتهم الفتية الناشئة، وانتصارهم الباسل فيها، كان في شهر رمضان، وكذلك فتح مكة، مما يعني أن شهر الصيام ليس مدعاة للخمول والكسل، لما يحصل في نهار أيامه، من الإمساك عن الطعام والشراب، وإنما هو شهر جد وبذل وعطاء، ومن مخرجات ذلك، أنه شهر الانتصارات العسكرية، والاستثمارات المالية، والبذل الذهني في مجال التجارب العلمية، والدراسات الأكاديمية على مختلف مستوياتها، عسى أن يلتفت إلى هذه المعاني المتثاقلون من الصيام بسبب العمل، أو الدراسة، والامتحانات، سواء على مستوى المدارس أم الجامعات، فالأصل أن يتأقلم المسلمون مع متطلبات الصيام، وأن يطوعوا حياتهم ومعاشهم لذلك، لا أن يعتبروه عبئاً يعطلهم عن الإنجاز والنجاح والتفوق، وحتى الذين يعملون في المهن المختلفة والوظائف على أنواعها، يطالبون بأن ينظروا إلى الصيام نظر المحب الراغب في أدائه، طاعة لله، وطلباً لرضاه سبحانه، ومثوبته، وتوفيقه، وصدق الله العظيم، حيث يقول سبحانه: {...وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} (الطلاق: 2-3)
ويجدر التنبيه هنا إلى ضرورة التفريق بين المتثاقل عن أداء الصيام بسبب الدراسة أو العمل، وبين الذي يعجز حقيقة عن مواصلة أداء الصيام في بعض أيام رمضان، بسبب عذر قاهر، فالله لم يجعل علينا في الدين حرجاً، ولم يكلفنا إلا وسعنا، والتوفيق بين مسألة الانصياع لأداء التكليف الشرعي، وبين الأخذ بالرخص التي نضطر إليها في بعض الأحوال، أمر ممكن ومشروع، فالقاعدة الفقهية المشهورة تنص على أن الضرورات تبيح المحظورات، لكن الضرورة هنا لا تخضع لأمزجة الناس وأهوائهم، وإنما لها وصف مبين في أصول فقه شريعتنا الغراء، يتلخص في تعرض المرء إلى ظرف إن لم يفعل المحرم مات أو قارب عليه، فهي ليست مجرد مصاعب وحرج ومشقة، فهذه لا يكاد صائم يخلو من أعراضها.
ولهذه القاعدة مستندها الوارد في القرآن الكريم، حيث يقول تعالى: {...فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الأنعام:145)
سائلين الله العلي القدير أن يجعل الصيام الذي نؤديه حسبة لوجهه الكريم، سبباً لعتق رقابنا ورقاب آبائنا والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات من النار، وأن يوفقنا إلى الحرص على صيام رمضان على الوجه الذي يرضيه سبحانه، وأن ينصر المسلمين اليوم وغداً فيه، كما نصر نبيهم محمداً، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
16 رمضان 1439هـ

تاريخ النشر  2018-06-01
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس