.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 نهاه الله عن الحزن على مسارعة بعض الناس في الانحراف عن جادة الحق - الحلقة الأولى  

==========================================================

 يخاطب الله جل في علاه رسوله محمداً، صلى الله عليه وسلم، قائلاً:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (المائدة: 41)
في هذا الخطاب القرآني الكريم ينهى رب البرية سبحانه رسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم، عن الحزن على ما يلمسه من مسارعة بعض الناس في الكفر، على الرغم من أنهم يتظاهرون بالإيمان بألسنتهم، على خلاف ما تكن قلوبهم، فالآية الكريمة وضعت الحزن المحبط في دائرة النهي، من خلال قوله تعالى:{لاَ يَحْزُنكَ}، ويجيب الرازي عما قد يثار من تساؤل حول أن الحزن على كفر الكافر، ومعصية العاصي طاعة، فكيف نهى الله عن الطاعة، من وجهين:
الأول: أنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه، حتى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به، فنهاه الله تعالى عن الإسراف فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ}. (فاطر: 8)
الثاني: أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك، ويعينوا عليك، ألا ترى إلى قوله: {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً} يعني إنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم.
فهم لن يضروا النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه شيئاً.(التفسير الكبير، 9/85)
ويقول الثعالبي إن هذه الآية تسلية لنبيه عليه الصلاة والسلام، وتقوية لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين واليهود، والمعنى قد وعدناك النصر والظهور عليهم، فلا يحزنك ما يقع منهم، ومعنى المسارعة في الكفر البدار إلى نصره، والسعي في كيد الإسلام، وإطفاء نوره. (تفسير الثعالبي، 1/461)

سبب نزول هذه الآية الكريمة
جاء في التفسير الكبير ذكر الاختلاف في سبب نزول الآية المذكورة أعلاه، على وجوه:
الأول: أنها نزلت في كفار قريش، والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم، والمعنى لا يحزنك من يسارع في الكفر، بأن يقصد جمع العساكر لمحاربتك، فإنهم بهذا الصنيع إنما يضرون أنفسهم، ولا يضرون الله، ولا بدَّ من حمل ذلك على أنهم لن يضروا النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من المؤمنين شيئاً، وإذا حمل على ذلك، فلا بد من حمله على ضرر مخصوص؛ لأن من المشهور أنهم بعد ذلك ألحقوا أنواعاً من الضرر بالنبي، عليه الصلاة والسلام، والأولى أن يكون ذلك محمولاً على أن مقصودهم من جمع العساكر، إبطال هذا الدين، وإزالة هذه الشريعة، وهذا المقصود لا يحصل لهم، بل يضمحل أمرهم، وتزول شوكتهم، ويعظم أمرك، ويعلو شأنك.
الثاني: أنها نزلت في المنافقين، ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوفون المؤمنين، بسبب وقعة أحد ومحاولة إشعارهم ببعد انتصارهم، أو بسبب أنهم كانوا يقولون إن محمداً طالب ملك، فتارة يكون الأمر له، وتارة عليه، ولو كان رسولاً من عند الله ما غُلب، وهذا كان ينفر بعض الناس عن الإسلام، فكان الرسول يحزن بسببه، قال بعضهم: إن قوماً من الكفار أسلموا، ثم ارتدوا خوفاً من قريش، فوقع الغم في قلب الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيث ظن أنهم بسبب تلك الردة يلحقون به مضرة، فبين الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك، قال القاضي: ويمكن أن يقوي هذا الوجه بأمور؛ الأول، أن المستمر على الكفر لا يوصف بأنه يسارع في الكفر، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الإيمان.
الثاني: أن إرادته تعالى أن لا يجعل لهم حظاً في الآخرة، لا يليق إلا بمن قد آمن، فاستوجب ذلك.
الثالث: أن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود، فلما قدر النبي، صلى الله عليه وسلم، الانتفاع بإيمانهم، ثم كفروا حزن صلى الله عليه وسلم، عند ذلك؛ لفوات التكثير بهم، فآمنه الله من ذلك، وعرفه أن وجود إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير.
القول الرابع: أن المراد رؤساء اليهود، كعب بن الأشرف وأصحابه، الذين كتموا صفة محمد، صلى الله عليه وسلم، لمتاع الدنيا. قال القفال: ولا يبعد حمل الآية على جميع أصناف الكفار، بدليل قوله تعالى: {يأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ...} إلى قوله: {وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ}(المائدة:41)، فدلت هذه الآية على أن حزنه كان حاصلاً من كل هؤلاء الكفار.(التفسير الكبير، 9/84- 85)
وفي صحيح مسلم، عن الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ، قال: (مُرَّ على النبي، صلى الله عليه وسلم، بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجْلُودًا، فَدَعَاهُمْ صلى الله عليه وسلم، فقال: هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي في كِتَابِكُمْ، قالوا: نعم، فَدَعَا رَجُلاً من عُلَمَائِهِمْ، فقال: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الذي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ على مُوسَى، أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي في كِتَابِكُمْ؟ قال: لا، وَلَوْلا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بهذا، لم أُخْبِرْكَ، نَجِدُهُ الرَّجْمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ في أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إذا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وإذا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ، أَقَمْنَا عليه الحَدَّ، قُلْنَا: تَعَالَوْا، فَلْنَجْتَمِعْ على شَيْءٍ، نُقِيمُهُ على الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَجَعَلْنَا التَّحْمِيمَ، وَالجَلْدَ مَكَانَ الرَّجْمِ، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أَوَّلُ من أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنْزَلَ الله عز وجل: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ في الْكُفْرِ} إلى قَوْلِهِ: {إن أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ} يقول: ائْتُوا مُحَمَّدًا، صلى الله عليه وسلم، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالتَّحْمِيمِ، وَالجَلْدِ، فَخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ، فَاحْذَرُوا، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: {وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} و{وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ} و{وَمَنْ لم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} في الْكُفَّارِ كُلُّهَا). (صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى)

معنى الحزن ونعمة إذهابه
الحُزْن والحَزَنُ: في اللغة نقيضُ الفرَح، وهو خلافُ السُّرور. والجمعُ أَحْزانٌ، وقال سيبويه: أَحْزَنَه جعله حَزِيناً، وحَزَنَه جعلَ فيه حُزْناً، كأَفْتَنَه جعله فاتِناً، وفَتَنه جعلَ فيه فِتنَة. (لسان العرب، 4/109)
والحزن الذي هو نقيض السرور يحصل للإنسان بسبب أمور عدة، ذكر القرآن الكريم بعضها، وبيّن أن الله تعالى يتولى فعل إذهاب الحزن عن عباده المخلصين، وقد قطع الله على نفسه الوعد بذلك لبني آدم منذ أمر أبويهم أن يهبطا من الجنة إلى الأرض، ومما يقوله جل شأنه بهذا الصدد: {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 38)
والتمتع بهذه النعمة مستمر للشاكرين المنيبين، والله تعالى يقول: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 112)
مما يعني أن إذهاب الحزن نعمة جليلة يمن الله بها على عباده، وقد تعهد الله بحجب الحزن عن أوليائه، فقال عز وجل: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس: 62)، ويستشعر الذين يُنزغ من قلوبهم الحزن هذه النعمة، مصداقاً لقوله تعالى: {وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}(فاطر: 34)، والمراد بمعنى الحزن في هذه الآية الكريمة، قيل هو عذاب النار، وقيل: أهوال القيامة، وقيل: هموم الدنيا، والصواب العموم في ذلك كله. (التسهيل لعلوم التنزيل، 3/159)
سائلين الله العلي القدير أن يذهب عنا الحزن كله، وأن يمتعنا بالأمن والأمان، وأن ييسر في الحلقة التالية متابعة الحديث عن نهي الله عن الحزن على مسارعة بعض الناس في الانحراف عن جادة الحق، كما جاء في خطابه سبحانه لنبيه الأكرم، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
11 ربيع الآخر 1439هـ

تاريخ النشر  2017-12-29
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس