.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 من فيح مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار - الحلقة الثانية

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لو أَنَّ الْأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أو شِعْبًا، لَسَلَكْتُ في وَادِي الْأَنْصَارِ، وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً من الْأَنْصَارِ، فقال أبو هُرَيْرَةَ: ما ظَلَمَ بِأَبِي وَأُمِّي؛ آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ ـ أو كَلِمَةً أُخْرَى ـ)(صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: (لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار)

مكانة المهاجرين والأنصار
من تقديره صلى الله عليه وسلم للأنصار، وهو المهاجر مع من هاجروا إليهم من المسلمين انتصاراً للدين، تمنيه أن يكون امرأً منهم، كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه أعلاه، الذي يتوافق مع المعاني التي ختمت بها الحلقة السابقة بشأن الثناء القرآني على المهاجرين والأنصار، الذين جمعهم قاسم مشترك أعظم، أنهم ينتصرون للدين، ويتعاونون على ذلك، كل بطريقته، والإمكانات المتاحة لديه، مما أهلهم لنيل رضاه وغفرانه سبحانه، مصداقاً لقوله عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(التوبة:100)
جاء في التفسير، أن في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ} خمسة أقوال:
أحدها: أنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيعة الرضوان، وهي الحديبية. والثالث: أنهم أهل بدر، والرابع: أنهم أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جميعهم، حصل لهم السبق بصحبته، والخامس: أنهم السابقون بالموت والشهادة، سبقوا إلى ثواب الله تعالى.(زاد المسير، 3/490)
فالمهاجرون والأنصار من أصحاب السبق بالخير، وتصدروا بمجموعهم سلم الخيرية، بالمقارنة مع من عقبهم من المسلمين، فعن عبد اللَّهِ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (خَيْرُ الناس قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ، تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) (صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد)

من شواهد الإقرار بفضل الأنصار
حديث أبي هريرة أعلاه يشير إلى عمق التقدير الذي كان الرسول، صلى الله عليه وسلم، يكنه للأنصار، الذين كان منهم الإيواء والنصرة، وبعد تحقق الانتصارات المتعاقبة للمسلمين على أعدائهم، حدث إشكال لدى بعض الأنصار لما أعطى الرسول، صلى الله عليه وسلم، من غنائم هوازن، ولم يعطِ الأنصار، فطمأن جمعهم بقوله: (لو أَنَّ الأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أو شِعْبًا لَسَلَكْتُ في وَادِي الْأَنْصَارِ وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً من الْأَنْصَارِ...)
ومن الروايات الصحيحة التي تضمنت مزيداً من التفصيل لهذه الواقعة المعبرة، تلك التي رواها البخاري في صحيحه عن عبد اللَّهِ بن زَيْدِ بن عَاصِمٍ، قال: (لَمَّا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ، صلى الله عليه وسلم، يوم حُنَيْنٍ، قَسَمَ في الناس في الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، ولم يُعْطِ الأَنْصَارَ شيئاً، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لم يُصِبْهُمْ ما أَصَابَ الناس، فَخَطَبَهُمْ، فقال: يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ الله بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمْ الله بِي؟ وكنتم عالة فَأَغْنَاكُمْ الله بِي ـ كُلَّمَا قال شيئاً قالوا: الله وَرَسُولُهُ أَمَنُّ ـ قال: ما يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: كُلَّمَا قال شيئاً قالوا: الله وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قال: لو شِئْتُمْ قُلْتُمْ جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ الناس بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، إلى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امرأً من الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ الناس وَادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً، فَاصْبِرُوا حتى تَلْقَوْنِي على الْحَوْضِ) (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف)
وفي اقتباس من رواية صحيحة تفصيلية أخرى لهذه الواقعة، عن أَنَس بن مَالِكٍ، رضي الله عنه، أن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لما حُدث بِمَقَالَة نَاس من الأَنْصَارِ بعد توزيعه ما أَفَاءَ الله عليه من أَمْوَالِ هَوَازِنَ، (جَمَعَهُمْ في قُبَّةٍ من آدم، ولم يَدْعُ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ، فلما اجْتَمَعُوا قام النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: ما حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ فقال فُقَهَاءُ الأَنْصَارِ: أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا يا رَسُولَ اللَّهِ، فلم يَقُولُوا شيئاً، وَأَمَّا نَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ الله لِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يُعْطِي قريشاً وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ من دِمَائِهِمْ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ؛ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ الناس بِالأَمْوَالِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، إلى رِحَالِكُمْ؟ فَوَ اللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، قد رَضِينَا، فقال لهم النبي، صلى الله عليه وسلم: سَتَجِدُونَ أُثْرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حتى تَلْقَوْا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، صلى الله عليه وسلم، فَإِنِّي على الْحَوْضِ.) (صحيح البخاري كتاب المغازي، باب غزوة الطائف)، فهذان الشاهدان الصحيحان يدلان على ما كان للأنصار من تقدير واعتزاز.
آملين في الحلقة التالية متابعة استلهام الدروس والعبر من فيح المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن تبعهم بإحسان، وصلى الله وسلم وبارك على مبلغهم الدين، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
21 محرم 1441هـ

تاريخ النشر  2019-09-20
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس