.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 من فيح مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار - الحلقة الثالثة والأخيرة

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فإن الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديث، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)(صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر)
تعرضت الحلقة السابقة إلى تقدير سبق المهاجرين والأنصار، وبيان مكانتهم الرفيعة في الإسلام، فالله تعالى أثنى على هذا السبق، والرسول، صلى الله عليه وسلم، عبر عن تقديره واعتزازه بالأنصار، معرباً عن اعتزازه بأن يكون منهم، ويسلك شعبهم وواديهم، فهنيئاً للأنصار هذا العلو، وطوبى لهم وللمهاجرين سبقهم لنصرة الإسلام، والذب عن حياضه، وتصدرهم سلم الخير من بين المسلمين.

وكونوا عباد الله إخوانًا
يتماشى الأمر النبوي في الحديث أعلاه مع الإقرار الإلهي بأن المؤمنين إخوة، حيث يقول عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(الحجرات: 10)، والأخوة هنا أوسع من نطاق أخوة القرابة والنسب والرضاع، وإنما هي أخوة تنطلق من الإيمان، وتتأكد بالعمل بمقتضاه، وما دام المؤمنون إخوة، وهم بشر يتوقع منهم الاختلاف، وأن يحدث بينهم الشقاق والنزاع، ومن الأمر الإلهي الوارد في الآية الكريمة، يتبين أن سلبية المواقف حيال نزاع الإخوة مرفوضة، فلا يقبل من المسلمين الاكتفاء بمشاهدة النزاع بين بعض أطراف المسلمين، أو سماع الأخبار عنه، دون أن يحركوا ساكناً لمعالجته، والتخلص من أضراره.

رفض العصبية المنتنة
المهاجرون والأنصار مثلوا شريحتين رئيستين تَكّون منهما المجتمع المسلم الأول، ورغم تضحيات الفريقين انتصاراً للدين، والذب عن دولة الإسلام والمسلمين، إلا أنهم يبقون بشراً، يتوقع وقوعهم في أخطاء وذنوب، سواء على مستوى أفرادهم أو جماعاتهم، وحتى في علاقاتهم مع بعضهم بعضاً، ووجود الانتماءات المختلفة في المجتمع، يتيح المجال أحياناً للوقوع في مزالق الشيطان، الذي يعمل وحزبه على توسيع الشرخ بين المختلفين، لإضعافهم، والتمكن من السيطرة عليهم، وعلى مواقفهم بسهولة ويسر، وهذا ما كاد يكون بين المهاجرين والأنصار حتى والرسول، صلى الله عليه وسلم، بين ظهرانيهم، فعن جَابِرَ بن عبد اللَّهِ، رضي الله عنهما، قال: (كنا في غَزَاةٍ، قال –سُفْيَانُ: مَرَّةً في جَيْشٍ- فَكَسَعَ رَجُلٌ من الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا من الْأَنْصَارِ، فقال الأَنْصَارِيُّ: يا لَلْأَنْصَارِ، وقال المُهَاجِرِيُّ: يا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذاك رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقال: ما بَالُ دَعْوَى جاهلية؟! قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَسَعَ رَجُلٌ من الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا من الأَنْصَارِ، فقال: دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ عبد اللَّهِ بن أُبَيٍّ، فقال: فَعَلُوهَا أَمَا والله {لَئِنْ رَجَعْنَا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ منها الأَذَلَّ} فَبَلَغَ النبي، صلى الله عليه وسلم، فَقَامَ عُمَرُ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هذا الْمُنَافِقِ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ لَا يَتَحَدَّثُ الناس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ، وَكَانَتْ الأَنْصَارُ أَكْثَرَ من المُهَاجِرِينَ حين قَدِمُوا المَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَثُرُوا بَعْدُ)(صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين)
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، حسم الرد بأن الانتصار للحمية والفئوية دعوى جاهلية منتنة، والله تعالى حذر من تداعيات النزاع والشقاق بين المسلمين، حيث تضعف به شوكتهم، ويفشلهم جميعاً، فقال جل شأنه: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: 46)، واجتماع هذا التحذير مع الحث على بناء العلاقات بين أفراد المجتمع وفئاته على أساس من الحب، والإيمان، والإيثار، وبخاصة حين تكون لجميعهم قضية مشتركة، ومصير واحد، كما كان في حالة المهاجرين والأنصار، حيث كانت التضحيات وكان الإيواء، فنتجت عن ذلك الانتصارات التي تعاقبت متوالية، حتى أعز الله دينه، وجاء الحق، وزهق الباطل، وجاء نصر الله والفتح، ويسّر الله للمسلمين ونبيهم، صلى الله عليهوسلم ، الفتح المبين.

هل من معتبر؟
الناظر في نجاح الأمس، وانتصارات البارحة، مقارنة مع خوار اليوم بما فيه من حالة الانهزام التي طالت البلاد والعباد، ودنست في ظلها المقدسات، يجد بالفحص، والتدبر، وتشخيص الحالة، أن من أبرز فشل الآن بالمقارنة مع نجاح الأمس، التخلي عن منظومة المبادئ والقيم والأحكام، التي رُفع مقام الأولين لما أخذوا بها، وتشرذمت مواقف الآخرين لما تخلوا عنها، فأصبح المسلمون شيعاً، كل حزب بما لديهم فرحون، لا تؤلم بعضهم جراح إخوانهم، ولم يعودوا كما أحب لهم نبيهم، صلى الله عليه ولمد، كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وكالجسد الذي يتداعى للسهر والحمى، إذا اشتكى منه عضو، حسب قوله صلى الليه وسلم : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)(صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم)، وقوله: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ)(صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره)
هدانا الله والمسلمين كافة لصراطه المستقيم، ودينه القويم، وألف بين قلوبنا، وصرف الشقاق والنزاع من بيننا، راجين أن ينفع الله المتدبرين بهذه الشواهد ذات الصلة بفيح المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن تبعهم بإحسان، وصلى الله وسلم وبارك على مبلغهم الدين، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
28 محرم 1441هـ

تاريخ النشر  2019-09-27
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس