.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 من فيح مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار - الحلقة الأولى

==========================================================

 عن إِبْرَاهِيم بن سَعْدٍ، عن أبيه عن جَدِّهِ، قال: (لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ، آخَى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بين عبد الرحمن بن عَوْفٍ، وَسَعْدِ بن الرَّبِيعِ، قال لِعَبْدِ الرحمن: إني أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالاً، فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لي أُطَلِّقْهَا، فإذا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، قال: بَارَكَ الله لك في أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟ فَدَلُّوهُ على سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فما انْقَلَبَ إلا وَمَعَهُ فَضْلٌ من أَقِطٍ وَسَمْن، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، ثُمَّ جاء يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، مَهْيَمْ؟ قال: تَزَوَّجْتُ، قال: كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟ قال: نَوَاةً من ذَهَبٍ، أو وَزْنَ نَوَاةٍ من ذَهَبٍ ـ شَكَّ إِبْرَاهِيمُ)(صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي، صلى الله عليه وسلم، بين المهاجرين والأنصار)
ومعنى (مَهْيَمْ) أي ما حالك، وما شأنك، وما الخبر؟ وقوله: (نَوَاةً) هي خمسة دراهم.(عمدة القاري، 16/256)

أبرز أعمال ما بعد الهجرة
الرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد أن هاجر والمسلمون إلى المدينة المنورة، وصارت لهم دولة، اجتمع على نصرة دين الله فيها المهاجرون والأنصار، بقيادته صلى الله عليه وسلم، التي امتازت بالحكمة، وحسن التدبير، والمثابرة، برعاية الله تعالى وحفظه وتوفيقه، وقد حصن عليه الصلاة والسلام دولته بتقوية الأواصر بين أبنائها، وبناء مسجد على التقوى؛ ليكون معقل عزها، وتوثيق الصلة بين الله وعباده، وأبرم معاهدات مع غير المسلمين من ساكني المدينة، لضمان عيشهم الكريم، واحترامهم لنظام دولته، وضبط العلاقة بينهم وبين المسلمين، وفيما يأتي وقفة مع أحد هذه الأعمال العظيمة.

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
الحديث أعلاه يشير إلى صورة الإخاء الذي تم بين المهاجرين والأنصار، والذي وطدت من خلاله العلاقة بينهما، والذين تَكوَّنَ من اندماجهم مجتمع المدينة الصلب، الذي أشار رب البرية سبحانه إلى فضله في تآلف قلوب فئاته وأفراده، فقال عز وجل: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(الأنفال: 63)، فتوطيد الأواصر بين أبناء المجتمع المسلم، ركيزة مهمة للمحافظة عليه، وتقويته، ليصمد أمام أعاصير مستهدفيه والطامعين في إخضاعه لابتزازهم وجبروتهم، ولتكون لديه القدرة على القيام بواجبه تجاه دينه، ووجوده، ومقدساته، والذب عن حياضه، والانتصار للمستضعفين أينما وجدوا، ولم تتم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار مجاملة لموقف، أو رفعاً لعتب، وإنما انطلقت من قناعات إيمانية، وفي إطار معايير شرعية، مؤداها الأمل في نيل الثواب، وتحقيق المنعة والعزة، وخضوعاً لأمر الله سبحانه، ورسوله، صلى الله عليه وسلم، حيث أُمروا بالطاعة المطلقة لهما في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وأمام أمرهما تُلغى الخيارات، ويرفض الخضوع للأهواء، والله عز وجل وضح بجلاء لا يقبل التأميل لزوم الأخذ بمبدأ طاعته فيما يأمر، فقال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً}(الأحزاب: 36)
فالمؤاخاة انطلقت من هذه المبادئ والقيم، فكانت قوية ووطيدة، وصل الأمر بأطرافها كما في الحديث أن يقدم أحد طرفيها شطر ماله لأخيه، بل ويبدي استعداداً لترك إحدى أزواجه؛ ليتزوجها أخوه وفق الضوابط الشرعية بالخصوص، وفي المقابل؛ وُجِدَ الطرف العفيف غير الطامع بالذي بين يدي أخيه، وإنما يأخذ منه بقدر الحاجة الماسة دون توسع، فقدر لأخيه عرضه الكريم، وطلب أن يدله على السوق ليمارس فيه نشاطه وجهده بحثاً عن الرزق، دون اتكال على متبرع، بسخاوة وجود، فذهب إلى السوق، وغاب أياماً، ثم عاد منجزاً وكاسباً، ومتزوجاً.

الثناء القرآني على المهاجرين والأنصار
أثنى الله عز وجل في قرآنه الكريم على طرفي المؤاخاة الرئيسين، وهما المهاجرون والأنصار، وذلك في آيات قرآنية عديدة، منها آيتان متتاليتان من سورة الحشر، في الأولى منهما، أثنى على المهاجرين ووصفهم بالصادقين، بعد الإشارة إلى بعض صفاتهم وأعمالهم، فقال تعالى: {لِلْفُقَرَاء المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}(الحشر:8)
وفي الآية التي تلتها مدح الأنصار، لحبهم المهاجرين، واحتضانهم إياهم، وإيثارهم بالخير، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ}(الحشر:9)
ويجمع الفريقين قاسم مشترك أعظم، أنهم ينتصرون للدين، ويتعاونون على ذلك، كل بطريقته، والإمكانات المتاحة لديه، مما أهلهم لنيل رضاه سبحانه، مصداقاً لقوله سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(التوبة:100)
راجين أن ييسر الله في حلقة لاحقة متابعة الوقوف عند مزيد من فيح المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن تبعهم بإحسان، وصلى الله وسلم وبارك على مبلغهم الدين، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
14 محرم 1441هـ

تاريخ النشر  2019-09-13
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس