.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 مات ودرعه مرهونة - الحلقة الثانية والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ كان يقول: (الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إذا كان مَرْهُونًا) (صحيح البخاري،كتاب الرهن، باب الرهن مركوب ومحلوب)
وفي رواية صحيحة أخرى ورد مزيد من التوضيح لما ورد في هذه الرواية، فعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (الرهن يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذا كان مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذا كان مَرْهُونًا وَعَلَى الذي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ) (صحيح البخاري،كتاب الرهن، باب الرهن مركوب ومحلوب)
تعرضت الحلقة السابقة إلى تعريف الرهن في اللغة والاصطلاح، وإلى ثبوت مشروعيته بأدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وتمضي هذه الحلقة في عرض المزيد من أحكام الرهن وشروطه، والحديث أعلاه يشير إلى حكم استخدام الرهن، الذي له تفصيل في الأحكام.

معاني ألفاظ الحديث
وقف ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عند معاني ألفاظ الحديث المذكور أعلاه وضبطها، حيث بين أولاً أن قوله: (الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ وَيُشْرَبُ...) بضم أول يُرْكَبُ على البناء للمجهول، وكذلك يُشْرَبُ، وهو خبر بمعنى الأمر، لكن لم يتعين فيه المأمور، والمراد بالرهن المرهون، وقد أوضحه في الطريق الثانية، حيث قال: (الظهر يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذا كان مَرْهُونًا)
وقوله: (الدَّرِّ) بفتح الدال، وتشديد الراء، مصدر بمعنى الدارة؛ أي ذات الضرع، وقوله: (لَبَنُ الدَّرِّ) هو من إضافة الشيء إلى نفسه، وهو كقوله تعالى: {...وَحَبَّ الْحَصِيد} (ق:9)، قوله في الرواية الثانية: (وَعَلَى الذي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ) أي كائناً من كان، هذا ظاهر الحديث. (فتح الباري، 5/144)

حكم الانتفاع بالرهن
للرهن شروط وأحكام تفصيلية، يضيق المقام بعرضها ومناقشتها، وبخاصة أن الفقهاء اختلفوا في كثير منها، ومن ذلك اختلافهم في حكم الانتفاع بالرهن سواء من قبل الراهن أو المرتهن، وقد لخص الدكتور وهبة الزحيلي آراء الفقهاء الخاصة بهذا الجانب، فبين أن الجمهور غير الشافعية، يمنعون انتفاع الراهن بالرهن، ويجيزه الشافعية بشرط ألا يضر بالمرتهن.

وبالنسبة إلى انتفاع المرتهن بالرهن، فالجمهور غير الحنابلة منعوا المرتهن من الانتفاع بشيء من الرهن، وحملوا ما ورد من جواز على المحلوب والمركوب، بمقدار العلف، عند امتناع الراهن عن الإنفاق على الرهن، فأنفق عليه المرتهن، فله الانتفاع بمقدار علف.
أما الحنابلة، فأجازوا للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا كان حيواناً، فله أن يحلبه ويركبه بقدر ما يعلفه، وينفق عليه. (الفقه الإسلامي وأدلته، 6 /4287-4289)
وخلص ابن حجر في فتح الباري عند شرح هذا الحديث، إلى أن فيه حجة لمن قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته، ولو لم يأذن له المالك، وهو قول أحمد وإسحاق، وطائفة قالوا: ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة، ولا ينتفع بغيرهما، لمفهوم الحديث، وأما دعوى الإجمال فيه، فقد دل بمنطوقه على إباحة الانتفاع، في مقابلة الإنفاق، وهذا يختص بالمرتهن؛ لأن الحديث وإن كان مجملاً، لكنه يختص بالمرتهن؛ لأن انتفاع الراهن بالمرهون لكونه مالك رقبته، لا لكونه منفقاً عليه، بخلاف المرتهن.
والجمهور الذين منعوا المرتهن من الانتفاع بشيء من المرهون تأولوا الحديث، لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين؛ أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه.
والثاني: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. (فتح الباري، 5/144)

حكم التصرف في الرهن
من أحكام الرهن التي فصلها الفقهاء، التصرف في الرهن، الذي يمكن أن يصدر عن الراهن أو المرتهن، فتصرف الراهن بالرهن قبل التسليم، ينفذ دون إذن المرتهن، عند الحنفية والشافعية والحنابلة؛ لأنه لم يتعلق به حق المرتهن حينئذ، أما المالكية الذين يقولون بأن الرهن يلزم بالإيجاب والقبول، وبأن الراهن يجبر على تسليم الرهن للمرتهن، فيجيزون للراهن أن يتصرف في الرهن قبل القبض، إن فرط مرتهنه في طلبه، وصار دينه بلا رهن لتفريطه، فإن لم يفرط في الطلب وجدَ في المطالبة، ففي المسألة تفصيل لديهم.
أما بعد التسليم، أي إذا سلم الراهن الرهن، فإنه يبقى على ملكه، ولكن تعلق به دين المرتهن، فاستحق حبسه وثيقة بالدين إلى أن يوفي عند الحنفية، ويصبح متعيناً للبيع وثيقة بالدين عند الجمهور غير الحنفية.
وعلى كلا الرأيين، لا يجوز للراهن أن يتصرف بالرهن إلا بإذن المرتهن، لتعلق حقه به، فيتنازل عن حقه في حبس الرهن أو تعيينه للبيع.
وفيما يتعلق بحكم تصرف المرتهن بالرهن، وبناء على أن حق الراهن قائم في عين الرهن، فهو ملكه، وحق المرتهن ثابت في ماليته، فله حبسه لوفاء الدين، فإنه لا يجوز للمرتهن أن يتصرف في الرهن بغير إذن الراهن، لأنه تصرف فيما لا يملك، ويكون تصرفه موقوفاً عند الحنفية والمالكية كتصرف الفضولي، وباطلاً عند الشافعية والحنابلة. (الفقه الإسلامي وأدلته، 6 /4294-4298)

ضمان الرهن
اختلف الفقهاء في تحديد صفة يد المرتهن، فالحنفية يعتبرونها يد أمانة بالنظر لعين المال المرهون، ويد استيفاء أو ضمان بالنسبة إلى مالية المرهون فيما يقابل الدين من مالية الرهن، بمعنى أن ما يساوي الدين من مالية الرهن تعد يد المرتهن عليه يد ضمان أو استيفاء، فإذا امتنع رد المرهون لصاحبه بسبب هلاك أو غيره، كان المرتهن مستوفياً من دينه هذا المقدار، واحتسب من ضمانه، وأما ما زاد من قيمة الرهن على الدين فهو أمانة، يهلك هلاك الأمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير.
أما عند الجمهور غير الحنفية، فيد المرتهن على الرهن عندهم يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، ولا يسقط شيء من الدين بهلاك الرهن. والمالكية رغم قولهم بأن يد المرتهن يد أمانة، إلا أنهم استحسنوا تضمين المرتهن عند وجود التهمة، وذلك عندما يكون الرهن مما يمكن إخفاؤه (الفقه الإسلامي وأدلته، 6 /4301-4302)
فهذه بعض الأحكام الخاصة بالرهن ذكرت مجملة، ومقتبسة من مرجع فقهي بارز، وهو كتاب الفقه الإسلامي وأدلته، والذي فيه من التفاصيل الخاصة بهذا الموضوع وغيره الشيء الكثير، وحيث إن مثل هذا المقال لا يهدف إلى عرض التفاصيل الفقهية، بقدر ما يهدف إلى الوقوف عند جانب من جوانب سيرة الرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، فقد تم الاقتصار على ذكر بعض الآراء الفقهية الواردة في بعض مسائل الرهن، للتنويه إلى أن لهذا الموضوع تفاصيل وأحكاماً، التي موضعها مراجع الفقه.

وسائل ضمان الديون
إن قيام الرسول، صلى الله عليه وسلم، برهن درعه يدل على مشروعية الرهن، كوسيلة مادية لضمان حقوق الدائنين، إلى جانب قيم الورع، والتقوى، وخشية الله، التي يحسن التنويه إليها في خضم الحث على سداد الديون، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول: (من أَخَذَ أَمْوَالَ الناس يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى الله عنه، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ الله) (صحيح البخاري، كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها)
وقد سئل صلى الله عليه وسلم: (أَرَأَيْتَ إن قُتِلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ، أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: نعم، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إلا الدَّيْنَ، فإن جِبْرِيلَ عليه السَّلام قال لي ذلك) (صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين)
والله تعالى ينهى عن أكل أموال الناس بالباطل، فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}(النساء: 29)، ويقول سبحانه: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ...} (النساء: 58)
فسواء حبس الرهن مقابل الدين لدى صاحبه من قبل المدين، أم لم يتم ذلك، فإن المسلم الذي يتقي الله يتجنب أكل مال الآخرين بالباطل، فيحرص على سداد الديون؛ لأنه إذا لم يبادر عند القدرة على ذلك، فإنه يعد من الظالمين، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فإذا أُتْبِعَ على مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ) (صحيح البخاري، كتاب الحوالات، باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة)
وصلى الله وسلم على خاتم النبيين محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
28 صفر 1439هـ

تاريخ النشر  2017-11-17
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس