.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 مات ودرعه مرهونة - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن قتادة عن أَنَسٍ، رضي الله عنه، قال: (وَلَقَدْ رَهَنَ النبي، صلى الله عليه وسلم، دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يقول: ما أَصْبَحَ لآلِ مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم، إلا صَاعٌ، ولا أَمْسَى، وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ) (صحيح البخاري، كتاب الرهن، باب الرهن في الحضر)
يشير هذا الحديث الشريف إلى أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يمارس حياته المعيشية بصفته بشر، معرض للغنى والفقر، ولولا أن ظروفاً اقتصادية اضطرته للاستدانة مقابل رهن أودعه لدى صاحب الدين، ما لجأ إلى رهن درعه، ومن دلالة أن يكون صلى الله عليه وسلم راهناً، الربط بين رهن درعه، صلى الله عليه وسلم، وبين الحالة الاقتصادية التي كان يعيشها آنذاك، ومما جاء في شرح هذا الحديث الشريف، أن قوله: (إِهَالَة) هي الأَلية، وقيل: هي ما أذيب من الشحم، وقيل: هي الشحم والزيت، وقيل: ما أذيب من شحم الأَلية وقوله: (سَنِخَة) هي المتغيرة الرائحة من طول الزمان، وروي زنخة بالزاي، فيقال: سنخ وزنخ بالسين والزاي أيضاً، وقوله: (لآلِ مُحَمَّدٍ) يعني لأزواجه، وهن تسع.
وقوله: (وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ) قال الكرماني: كلام قتادة، وفاعل يقول أنس، وقال بعضهم: هو كلام أنس، والضمير في سمعته للنبي، صلى الله عليه وسلم؛ أي قال ذلك لما رهن الدرع عند اليهودي، مظهراً للسبب في شرائه إلى أجل، ووهم من زعم أنه كلام قتادة، وجعل الضمير في سمعته لأنس؛ لأنه إخراج للسياق عن ظاهره بغير دليل، وقال العيني: الأوجه في حق النبي، صلى الله عليه وسلم، ما قاله الكرماني؛ لأن في ذلك نوعَ إظهار بعض الشكوى، وإظهار الفاقة على سبيل المبالغة، وليس ذلك يذكر في حقه، صلى الله عليه وسلم . (عمدة القاري، 11/184)

ما يرشد إليه الحديث الشريف
يؤخذ من هذا الحديث أنه لا بأس للرجل أن يذكر عن نفسه أنه ليس عنده ما يقوته، ويقوت عياله، على غير وجه الشكاية والتسخط، بل على وجه الاقتداء به. (عمدة القاري، 11/184)
واستنبط ابن حجر من الحديث المذكور أعلاه جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم عين المتعامل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم، ومعاملاتهم فيما بينهم، واستنبط منه جواز معاملة من أكثر ماله حرام، وفيه جواز بيع السلاح ورهنه، وإجارته، وغير ذلك من الكافر، ما لم يكن حربياً، وفيه ثبوت أملاك أهل الذمة في أيديهم، وجواز الشراء بالثمن المؤجل، واتخاذ الدروع والعُدد وغيرها من آلات الحرب، وأنه غير قادح في التوكل، وأن قنية آلة الحرب لا تدل على تحبيسها، وأن أكثر قوت ذلك العصر
الشعير، وأن القول قول المرتهن في قيمة المرهون، مع يمينه، وفيه ما كان عليه النبي، صلى الله عليه وسلم، من التواضع، والزهد


في الدنيا، والتقلل منها، مع قدرته عليها، والكرم الذي أفضى به إلى عدم الادّخار، حتى احتاج إلى رهن درعه، والصبر على ضيق العيش، والقناعة باليسير، وفضيلة لأزواجه لصبرهن معه على ذلك، وقال العلماء: الحكمة في عدوله صلى الله عليه
وسلم عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود، إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجة غيرهم، أو خشي أنهم لا يأخذون منه ثمناً، أو عوضاً، فلم يرد التضييق عليهم، فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك من يقدر على ذلك، وأكثر منه، فلعله لم يطلعهم على ذلك، وإنما أطلع عليه من لم يكن موسراً به، ممن نقل ذلك، والله أعلم. (فتح الباري، 5/141ـ 142)

تعريف الرهن
يطلق الرهن في اللغة على الحبس، وعلى الثبوت، جاء في لسان العرب، أن ابن سيده، قال: الرَّهْنُ ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أُخذ منه، يقال: رَهَنْتُ فلاناً داراً رَهْناً، وارْتَهنه، إذا أَخذه رَهْناً، والجمع رُهون ورِهان ورُهُنٌ، بضم الهاء، والرَّهينة: واحدة الرَّهائن.
ورَهَنَه الشيءَ يَرْهَنَه رَهْناً ورَهَنَه عنده، كلاهما: جعله عنده رَهْناً. قال الأَصمعي: ولا يقال أَرْهَنتُه.
والمُراهَنَةُ والرهانُ: المسابقة على الخيل وغير ذلك.
والمُرْتَهِنُ: الذي يأْخذ الرَّهْنَ، والشيء مَرْهُونٌ ورهِين، والأُنثى رَهِينة.
والراهِنُ: الثابت.
وقال ابن عرفة: الرَّهْنُ في كلام العرب هو الشيء الملزم. يقال: هذا راهِنُ لك، أَي دائم محبوس عليك.
وقوله تعالى: {كلُّ نفْسٍ بما كَسَبَتْ رَهِينَة} {وكل امرئٍ بما كَسَبَ رَهِين}؛ أَي مُحْتَبَس بعمله، ورَهِينة محبوسة بكسبها. (لسان العرب، 6/246)
ومن تعاريف الرهن في الفقه الإسلامي، ما نصت عليه مجلة الأحكام في المادة 701، والتي جاء فيها أن الرَّهْن جَعْلُ مَالٍ مَحْبُوسٍ وَمَوْقُوفٍ مُقَابِلَ حَقٍّ مُمْكِنِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمُحَالِ، وفي شرح هذه المادة، جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام، أنه كَمَا يُقَالُ لَهُ: مَرْهُونٌ يُقَالُ لَهُ: أَيْضًا رَهْنٌ، والرَّهْنُ لُغَةً جَعْلُ شَيْءٍ مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا لِسَبَبٍ مَا، سَوَاءٌ أَكَانَ السَّبَبُ دَيْنًا أَوْ خِلافَهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَالاً، أَوْ غَيْرَهُ، فَبِنَاءً عَلَى هَذَا يَكُونُ نَقْلُ وَاسْتِعْمَالُ الرَّهْنِ لِلْمَعْنَى الْوَارِدِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ مِنْ قَبِيلِ نَقْلِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ، وَفِي اصْطِلاحِ الْفُقَهَاءِ الرَّهْنُ، تَرْكُ الرَّاهِنِ مَالاً مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ الْمَالِ الْمَذْكُورِ بِالْمَرْهُونِ وَبِالرَّهْنِ، مِنْ قَبِيلِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ، وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِهِ جَعْلُ مَالٍ مَحْبُوسًا وَمَوْقُوفًا، بَدَلًا مِنْ حَبْسِ وَتَوْقِيفِ مَالٍ إلَخْ، هُوَ لأَنَّ الْحَبْسَ وَالتَّوْقِيفَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، وَلَيْسَ مِنْ الرَّاهِنِ، وَأَمَّا جَعْلُ الْمَالِ مَحْبُوسًا، وَمَوْقُوفًا، فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ، والاسْتِيفَاءُ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ حَقِيقِيُّ، وحُكْمِيُّ يَحْصُلُ بِهَلاكِ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ. (درر الحكام شرح مجلة الأحكام، 2/53- 54)

مشروعية الرهن
ثبتت مشروعية الرهن في الإسلام بأدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، فيقول تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} (البقرة: 283)
هذه الآية القرآنية هي التالية مباشرة لأطول آية في القرآن الكريم، ألا وهي آية الدين، والتي فصَّل الله جل شأنه فيها بعض
قضايا الدين، تفصيلاً امتزج فيه الحديث عن مسألة اقتصادية بامتياز، مع المواعظ والتوجيهات المنبثقة عن تعاليم الإسلام وقيمه وعقيدته، وقد أُتبعت آية الدين بالحديث عن أمور اقتصادية أيضاً، كان منها الرهن، حيث قال تعالى: {فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} والرهان جمع رهن، وجاء ذكره هنا في سياق توثيق الديون، فالرهن مشروع بدلالة هذه الآية الكريمة.
ولا تتقيد مشروعية الرهن بالسفر، وإنما يجوز أن يتم فيه وفي الحضر، وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب. (التفسير الكبير، 7/105)
والحديث أعلاه من أوضح الأدلة على مشروعية الرهن، فهو من السنة الفعلية، التي مارسها الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيث رهن درعه، مما يدل بوضوح على مشروعية الرهن في الإسلام، وفي بعض الروايات الصحيحة لهذا الحديث الشريف ذكر لسبب الرهن الذي كان منه صلى ليه وسلم ، فعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: (تُوُفِّيَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا من شَعِيرٍ، وقال يعلى: حدثنا الأَعْمَشُ دِرْعٌ من حَدِيدٍ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في درع النبي، صلى الله عليه وسلم، والقميص في الحرب)
فهذه لمحة مجملة عن دلالة موت الرسول، صلى الله عيه وسلم ، ودرعه مرهونة، إضافة إلى بيان معنى الرهن في اللغة والاصطلاح، وأدلة مشروعيته، وهو موضوع جدير بالبحث والعرض والتذكير بأحكامه، كون بعض المسلمين يتساءلون عن حكمه، في ظل تعاملاتهم المصرفية، التي يضطرون أحياناً إلى رهن بعض ممتلكاتهم للجهات التي تمول مشاريعهم، آملين أن ييسر الله جل في علاه عرض مزيد من أحكام الرهن وشروطه في الحلقة القادمة، من هذه الزاوية الصحفية الأسبوعية، المعنونة بالرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
21 صفر 1439هـ

تاريخ النشر  2017-11-10
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس