.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 لن تهلك أمته بسنة ولا قحط  

==========================================================

 عن ثَوْبَانَ قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا ما زوي لي منها، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا من سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قال: يا محمد؛ إني إذا قَضَيْتُ قَضَاءً فإنه لا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا من سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عليهم من بِأَقْطَارِهَا، أو قال من بين أَقْطَارِهَا، حتى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)(صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض)
في ظل الأخبار المتعلقة بالزلازل الخفيفة العديدة التي ضربت بلادنا مؤخراً، وتوقعات علماء الجيولوجيا بأن زلزلة قوية قادمة لا محالة على منطقتنا، وأنها ستكون مدمرة، حتى إن بعضهم تحدث بالأرقام عن مستوى الدمار وآثاره التي ستقع عقب وقوع الزلزلة الحتمية القادمة، وبعيداً عن تصديق هذه التوقعات أو تكذيبها، أو الشك في مصداقيتها، يحسن الوقوف عند بعض القضايا الشرعية ذات الصلة، والتي تأتي دلالة الحديث النبوي أعلاه في سياقها، ومن أبرز ما تشمله تلك الدلالة بخصوص مسألة البحث ما يأتي:
الرسول، صلى الله عليه وسلم، سأل الله لأمته أن لا يهلكها بسنة عامة، والمراد بالسنة هنا القحط والجدب.
وسأل الرسول، صلى الله عليه وسلم، لأمته كذلك أن لا يسلط عليها عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم.
قوله: (من سوى أنفسهم) صفة عدواً؛ أي كائناً من سوى أنفسهم، فيستبيح ـ أي العدوـ وهو مما يستوي فيه الجمع والمفرد، أي يستأصل بيضتهم، قال الجزري في النهاية: أي مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة الدار وسطها. (تحفة الأحوذي، 6/332) والله من جانبه سبحانه وتعالى تضمن رده على سؤالي النبي، صلى الله عليه وسلم، ما يأتي:
التأكيد على نفاذ قضاء الله وقدره، حيث قال سبحانه: (إني إذا قَضَيْتُ قَضَاءً فإنه لَا يُرَدُّ)
معنى (إذا قَضَيْتُ قَضَاءً) أي حكمت حكماً مبرماً، (فإنه لَا يُرَدُّ)؛ أي بشيء، لخلاف الحكم المعلق بشرط وجود شيء أو عدمه. (تحفة الأحوذي، 6/333)
(وإني أعطيتك)؛ عهدي وميثاقي، (لأمتك) لأجل أمة إجابتك، (أن لا أهلكهم بسنة عامة)؛ أي بحيث يعمهم القحط، ويهلكهم بالكلية، وقوله: (ولو اجتمع عليهم من) أي الذين هم (بأقطارها) أي بأطرافها، جمع قطر، وهو الجانب والناحية، والمعنى فلا يستبيح عدو من الكفار بيضتهم، ولو اجتمع على محاربتهم من أطراف بيضتهم.
قوله: (حتى يَكُونَ بَعْضُهُمْ)قال الطيبي: حتى بمعنى كي، أي لكي يكون بعض أمتك يهلك بعضاً، فقوله: (إني إذا قضيت قضاء فلا يرد) توطئة لهذا المعنى.
قال المظهر: اعلم أن في خلق الله قضاءين؛ مبرماً ومعلقاً بفعل، كما قال تعالى:{يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (الرعد:39)
والقضاء المبرم، هو الذي قدره سبحانه في الأزل، من غير أن يعلقه بفعل، فهو في الوقوع نافذ غاية النفاذ، فلا يتغير بحال، ولا يتوقف على المقضي عليه، ولا المقضي له؛ لأنه من علمه بما كان، وما يكون، وخلاف معلومه مستحيل قطعاً، وهذا من قبيل ما لا يتطرق إليه المحو والإثبات، قال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (الرعد: 41)
وقوله: (إذا قضيت قضاء فلا يرد) من القبيل الثاني، ولذلك لم يجب إليه. (تحفة الأحوذي، 6/333)

أمة الإسلام لن تنقرض
مسألة انقراض أمة الإسلام عن الوجود حسم أمر نفيها، فلن يحدث لها ذلك لا بزلازل ولا بغيرها، إذ إن بقاءها ضمنه الله تعالى بحرزه وكفالته، وأكد ذلك الرسول، صلى الله عليه وسلم، بقوله: (لا يزال طَائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حتى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ) (صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم، "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين...)
وهذا لا يعني ضمان سلامة بعض الأمة من التعرض للكوارث والزلازل الطبيعية التي تلحق بالناس صالحهم وطالحهم في بعض الظروف والأحوال، ومثل هذا التعرض لا يناقض الضمان الرباني لأمة الإسلام من الانقراض بقحط أو هلاك بجدب أو كوارث، فلن يحصل لها هذا بإذن الله ورعايته وحفظه سبحانه، مما يعني طمأنة المسلمين في الزمان كله حيال هذه الحقيقة، فكيف إذا ما أضيف إليها ضمان رباني آخر، من مثل ما يتضمنه قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس: 62)
وهذه الطمأنة لا تعني إهمال الأخذ بأسباب البقاء، ووسائل الوقاية من الكوارث والزلازل وغيرها من المهلكات، فالمسألة برمتها يمكن الوقوف منها وقوفاً يتماشى مع روح الإيمان بالقضاء والقدر، بالتوازي مع ضرورة الأخذ بأسباب النجاة من المهلكات، والوقاية من الكوارث.
سائلين الله العلي القدير أن يلطف بنا، وأن ينجينا من الشر والضر، إنه سبحانه خير حافظ، ونعم المولى والنصير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
14 ذو القعدة 1439هـ

تاريخ النشر  2018-07-27
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس