.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 لما سأل والمؤمنون متى نصر الله؟أجابهم سبحانه بأنه قريب -الحلقة السادسة والأخيرة  

==========================================================

 عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن عبد اللَّهِ بن عُتْبَةَ، عن عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، أَنَّهُ أخبره: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، كَتَبَ إلى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إلى الإِسْلامِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إليه مع دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وَأَمَرَهُ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيمِ بُصْرَى؛ لِيَدْفَعَهُ إلى قَيْصَرَ، وكان قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ الله عنه جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى من حِمْصَ إلى إِيلِيَاءَ؛ شُكْرًا لِمَا أَبْلاهُ الله، فلما جاء قَيْصَرَ كِتَابُ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال حين قَرَأَهُ: الْتَمِسُوا لي هَا هُنَا أَحَدًا من قَوْمِهِ، لأَسْأَلَهُمْ عن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال ابن عَبَّاسٍ: فَأَخْبَرَنِي أبو سُفْيَانَ بن حرب، أَنَّهُ كان بالشأمِ في رِجَالٍ من قُرَيْشٍ، قَدِمُوا تجَارًا، في المُدَّةِ التي كانت بين رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قال أبو سُفْيَانَ: فَوَجَدَنَا رسول قَيْصَرَ بِبَعْضِ الشأم، فانُطلِقَ بِي وَبِأَصْحَابِي حتى قَدِمْنَا إِيلِيَاءَ، فَأُدْخِلْنَا عليه، فإذا هو جَالِسٌ في مَجْلِسِ مُلْكِهِ، وَعَلَيْهِ التَّاجُ، وإذا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ - وهنا يذكر أبو سفيان أن قيصر سأله عن أمور تتعلق بالرسول، صلى الله عليه وسلم، ورسالته، وكان من بين الحوار الذي دار بينهما- قال: (فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ أو قَاتَلَكُمْ؟ قلت: نعم، قال: فَكَيْفَ كانت حَرْبُهُ وَحَرْبُكُمْ؟ قلت: كانت دُوَلاً وَسِجَالاً، يُدَالُ عَلَيْنَا المَرَّةَ، وَنُدَالُ عليه الْأُخْرَى).
ولما عقب قيصر على إجابات أبي سفيان، كان مما قال: (وَسَأَلْتُكَ هل قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ قد فَعَلَ، وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ تَكُونُ دُوَلًا، وَيُدَالُ عَلَيْكُمُ المَرَّةَ، وَتُدَالُونَ عليه الأُخْرَى، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ لها الْعَاقِبَةُ...) (مختصر من حديث أخرجه البخاري في صحيحه)(صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي، صلى الله عليه وسلم، الناس إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله)
تعرضت الحلقة السابقة، إلى مسألة إلقاء الرعب، وقذفه في قلوب أعداء المسلمين، وتأكيد النبي، صلى الله عليه وسلم، على تحقق نصر الله له بخارق نفسي، أصاب قلوب أعدائه من خلال الرعب الذي انتابها، فألقى الله الهيبة في قلوب المشركين، فانهزموا، بالرعب الذي قذفه الله في قلوبهم، جاء ذلك في سياق الحديث عن الوعد بنصر الله القريب، الذي بشر الله به المؤمنين، في مواضع قرآنية عديدة، وفي مناسبات مختلفة، فالنصر المتمثل بالفتح وغيره قريب، وهو لا يكون إلا من الله، الذي وعد المؤمنين به، في مواضع قرآنية عديدة، وبخاصة في سياق التعقيب على نتائج لقاءاتهم الحاسمة مع أعدائهم، وقد أكد الله عز وجل هذه الحقيقة الإيمانية، ليبقى المسلمون على ثقة ويقين بأن النصر لن يكون حليفهم، إلا إذا ساقه الله العلي القدير إليهم، ووفق وعوده سبحانه، فإن ذلك قريب منهم، ولو أن بعض الناس يرونه بعيداً، فصبراً صبراً معشر المؤمنين والمرابطين؛ لأن وعد الله آت آت.

حسن العاقبة للرسل، عليهم السلام، ومن والاهم
حسب المقطع من الحديث الصحيح المذكور أعلاه عن ابن عباس عن أبي سفيان، الذي بيّن فيه عظيم الروم قيصر ما بين، انطلاقاً من خلفيات علم الكتاب الذي لديه، خلال تعقيبه على إجابات أبي سفيان، حيث قال لأبي سفيان: وَسَأَلْتُكَ هل قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ قد فَعَلَ، وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ، تَكُونُ دُوَلاً، وَيُدَالُ عَلَيْكُمُ الْمَرَّةَ، وَتُدَالُونَ عليه الأُخْرَى، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، وَتَكُونُ لها الْعَاقِبَةُ...)(صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي، صلى الله عليه وسلم، الناس إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله)
فابتلاء الرسل، عليهم السلام، بالصعاب، واستقواء أعدائهم عليهم، أمر ممكن الحدوث، بل هو حتمي الوقوع، وفق سنن الله التي أقرها في خلقه، والتي منها أن المآلات والعاقبة للمتقين، غير أن كثيراً من الناس لا يفقهون، وتعمي أبصارهم المظاهر الآنية، فبريق القوة ومن يملكها في بعض المراحل يخدع كثيراً من الناس، فيظنون أن من يملك القوة يملك المصير، ويحكم الواقع، دون صبر لانتظار العواقب التي يقطف ثمارها وفق سنة الله الصابرون، المتشبثون بالحق، رغم الصعاب التي تواجههم، والشواهد لهذه الحقيقة العقائدية عديدة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (الأعراف: 128)، وبعد سرد جوانب من قصص الأنبياء السابقين مع أقوامهم، وجه الله نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، إلى التحلي بالصبر على درب انتظار العاقبة الموعودة، فقال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود: 49)، وتعدد مثل هذا التوجيه في مواضع قرآنية عديدة، كقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (طه:132)، وقوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص:83)، فالعاقبة للمتقين بأمر رب العالمين، ومنطوق وعوده، وعِبَر السالفين شاهدة بذلك، فأين قوم عاد وثمود وفرعون وقارون؟ بينما دين الله وتوحيده باق خالد في ربوع العالمين.

تحقق وعد الله
نبه الله جلَّ في علاه بكلامه الكريم، إضافة إلى فعله المبين، إلى أن وعده حق، وهو متحقق لا محالة، ومن ضمن ذلك نصره القريب للمؤمنين ورسله، عليهم السلام، ومن شواهد هذا التنبيه، ما جاء في قوله الكريم: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (إبراهيم:47)
الرازي في التفسير الكبير، عند تفسيره لهذه الآية الكريمة، يقول: اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} (إبراهيم: 42)، وقال في هذه الآية: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ...} والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم يقم القيامة، ولم ينتقم للمظلومين من الظالمين، لزم إما كونه غافلاً، وإما كونه مخلفاً في الوعد، ولما تقرر في العقول السليمة أن كل ذلك محال، كان القول بأنه لا يقيم القيامة باطلاً، وقوله: {مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} يعني قوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} (غافر: 51) وقوله: {كَتَبَ اللَّهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي} (المجادلة: 21) فإن قيل هلا قيل مخلف رسله وعده، ولم قدم المفعول الثاني على الأول؟ أجاب الرازي: ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً، إن الله لا يخلف الميعاد، ثم قال: {رُسُلَهُ} ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته، ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزاً}؛ أي غالب، لا يماكر، ذو انتقام لأوليائه. (التفسير الكبير 19/115)

خاتمة
في ضوء ما تمَّ الوقوف عنده مما تيسر من شواهد داعمة للإجابة الربانية عن تساؤل الرسل، عليهم السلام، والمؤمنين، الذي صدر عنهم في أجواء حالكة، وظروف معقدة وصعبة، بلغت بسبب بعضها في أحوال معينة قلوب بعضهم الحناجر، وزاغت أبصار أصحابها، وظن بعضهم في الله الظنونا، فقد تبين أن الرد الرباني الحاسم بقرب نصر الله، له مؤيداته الكثيرة، بل إن القرآن الكريم يحفل بدعم هذه الحقيقة الإيمانية ومعاضدتها، وقد احتاج إلى الطمأنة بها الرسل، عليهم السلام وأتباعهم، فيما مضى من زمان، ونحن القابضون على الجمر من بعدهم، نتلمس نفحاتها، لتطمئن قلوبنا أكثر، ويهدأ روع نفوسنا، ومن أراد المزيد من الشواهد لهذه القضية، يجد ضالته في السور القرآنية، وبخاصة المكية منها، ففيها قصص السالفين، ومعززات الصبر ودواعيه، التي يحتاج الاتعاظ بها أمثالنا في هذا الوطن الجريح، فقد بلغ السيل الزبى، وتجاوز الظالمون المدى، وليس لنا إلا الله، نلجأ إليه ونناجيه، بقول خيارنا: اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، اللهم إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، سائلين الله العلي القدير أن يثبت قلوبنا على اليقين بالحق، وأن لا يزغها بعد إذ هداها، حتى نلقاه رافعي الهامات بإيماننا، وصبرنا، ومصابرتنا، ورباطنا على درب الأخيار من عباده ورسله، عليهم السلام، وخاتمهم نبينا محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله، وأزواجه، وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
7 جمادى الآخرة 1438هـ

تاريخ النشر  2018-02-23
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس