.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 لما سأل والمؤمنون متى نصر الله؟ أجابهم سبحانه بأنه قريب - الحلقة الرابعة  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، كان يقول: (لا إِلَهَ إلا الله وَحْدَهُ، أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَغَلَبَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، فلا شَيْءَ بَعْدَهُ). (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب)
تعرضت الحلقة السابقة إلى حقيقة عقائدية، تتعلق بحتمية انتصار الحق وبقائه، ووقفت عند بعض المبشرات بذلك، التي منها التبشير بفتوحات قادمة، فلطمأنة المؤمنين، سواء أكانوا في حال الاستضعاف، أم في حال القوة، كان الوعد باتساع رقعة البلاد التي ستخضع لأمر الله، وشريعة الإسلام، فقد حدَّث عليه الصلاة والسلام، عن سيطرة للمسلمين ستكون على ملك أعظم دولتين آنذاك، الفرس والروم، فقال: (وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ؛ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ)، ومن الدلالات المعززة لليقين بقرب نصر الله لعباده المخلصين، أن الرسل، عليهم السلام، لما كُذبوا وأوذوا في سبيل الله، هم ومن معهم من المؤمنين، جاءهم نصر الله، الذي نجى الله به من شاء، وأصاب بأسه القوم المجرمين.

نموذج للأمل بالفرج في ساعات الشدة
في معترك الأزمات وحدتها، وعسر الأحوال، يحتاج المتأزمون إلى نفحات أمل تهدئ من روعهم، وتطمئن قلوبهم، ومن الشواهد لذلك، ما حصل للمسلمين يوم الخندق، حين تحزب الأحزاب لاقتلاعهم، وأروع وصف لحالهم جاء في قوله تعالى: {إِذْ جَاءوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً* وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُوراً}. (الأحزاب:10-12)
وعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: (كان ذَاكَ يوم الخَنْدَقِ) (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب)
فزيغ الأبصار، وبلوغ القلوب الحناجر ليس جديداً على المسلمين، فها هو حصل لهم والرسول، عليه الصلاة والسلام، بين ظهرانيهم، لكنه لم يرضخ لهذا البلاء، ولم يتهاون، بل كان يشارك أصحابه المخاطر، ومواجهة الصعاب، فعن سَهْل بن سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، قال: (كنا مع رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في الخَنْدَقِ وهو يَحْفِرُ، وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ، ويمر بِنَا، فقال:
اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَة) (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب لا عيش إلا عيش الآخرة)
والحديث أعلاه يشير إلى يقينه، صلى الله عليه وسلم، بقدرة الله تعالى على تحقيق النصر المؤزر للمؤمنين، فالله سبحانه له القدرة على إنجاز وعوده، وإعزاز جنده، وهزم أحزاب الظلام التي تضافرت على شن الحرب على معسكر الحق، فأعز جنده، ونصر رسوله محمداً، صلى الله عليه وسلم، وغلب الأحزاب الذين جاؤوا من أهل مكة وغيرهم يوم الخندق، وقوله: (فلا شيء بعده)؛ أي جميع الأشياء بالنسبة إلى وجوده كالعدم، أو بمعنى كل شيء يفنى، وهو الباقي بعد كل شيء، فلا شيء بعد، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. (القصص:88)
ووفق العيني بين السجع الظاهر في هذا الحديث الشريف، وبين ذم النبي، صلى الله عليه وسلم، السجع، كما جاء في الحديث الصحيح عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ، قال: (ضَرَبَتْ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، وهي حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا، قال: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ، قال: فَجَعَلَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، دِيَةَ المَقْتُولَةِ على عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ، وَغُرَّةً لِمَا في بَطْنِهَا، فقال رَجُلٌ من عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ: أَنَغْرَمُ دِيَةَ من لا أَكَلَ ولا شَرِبَ ولا اسْتَهَلَّ؟! فَمِثْلُ ذلك يُطَلُّ، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ، قال: وَجَعَلَ عليهم الدِّيَةَ) (صحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني)
حيث قال العيني: إن المنكر والمذموم السجع الذي يأتي بالتكلف، وبالتزام ما لا يلزم، وسجعه صلى الله عليه وسلم، من السجع المحمود؛ لأنه جاء بانسجام، واتفاق على مقتضى السجية، وكذلك وقع منه في أدعية كثيرة من غير قصد لذلك، ولا اعتماد إلى وقوعه موزوناً مقفًى بقصده إلى القافية. (عمدة القاري، 17/188)

الدعاء بهزم الأعداء وزلزلتهم
من الأساليب المستخدمة للتعبير عن اليقين بنصر الله، الدعاء الذي يوجهه المؤمنون إلى الله، طالبين مدده وعونه سبحانه، بأن يعينهم على هزم عدوهم، ونصرهم عليه، فقد دَعَا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يوم الأَحْزَابِ على المُشْرِكِينَ، فقال: (اللهم مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اللهم اهْزِمْ الأَحْزَابَ، اللهم اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة)
جاء في عمدة القاري، أن قوله: (سَرِيعَ الحِسَابِ) يعني يا سريع الحساب، إما أن يراد به أنه سريع حسابه بمجيء وقته، وإما أنه سريع في الحساب.
وقوله: (اهْزِمْهُمْ)؛ أي اكسرهم، وبدد شملهم، ويقال قوله: اهزمهم وزلزلهم، دعاء عليهم، أن لا يسكنوا، ولا يستقروا، ولا يأخذهم قرار، وقال الداودي: أراد أن تطيش عقولهم، وترعد أقدامهم عند اللقاء، فلا يثبتون. (عمدة القاري، 14/204)

نصر الرسل، ومتى استيأسوا؟
الشواهد الدالة على حتمية تحقق النصر الرباني للمؤمنين كثيرة، منها تأكيد الباري سبحانه على تأييده للرسل، عليهم السلام، وللذين آمنوا معهم بنصره المنجي لهم، والممحق لأعدائهم، حيث يقول الله تعالى:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ} (يوسف:110)
يرى صاحب التسهيل لعلوم التنزيل، أن يأس الرسل يحتمل أن يكون من إيمان قومهم، أو من النصر، والأول أحسن، وقوله تعالى: {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ}قرئ بتشديد الذال، وتخفيفها، فأما التشديد فالضمير في ظنوا وكذبوا للرسل، والظن يحتمل أن يكون على بابه، أو بمعنى اليقين؛ أي علم الرسل أن قومهم قد كذبوهم، فيئسوا من إيمانهم، وأما التخفيف، فالضميران فيه
للقوم المرسل إليهم؛ أي ظنوا أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من الرسالة، أو من النصرة عليهم. (التسهيل لعلوم التنزيل 2/129)
جاء في صحيح البخاري، بَاب قَوْلِهِ: {حتى إذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} وفيه، عن عُرْوَة بن الزُّبَيْرِ، عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، قالت: له، وهو يَسْأَلُهَا عن قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {حتى إذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} قال: (قلت: أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ قالت عَائِشَةُ: كُذِّبُوا. قلت:
فَقَدْ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فما هو بِالظَّنِّ، قالت: أَجَلْ لَعَمْرِي، لقد اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فقلت لها: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قد كُذِبُوا؟ قالت: مَعَاذَ اللَّهِ، لم تَكُنْ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذلك بِرَبِّهَا، قلت: فما هذه الآيَةُ؟ قالت: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وَصَدَّقُوهُمْ، فَطَالَ عليهم الْبَلاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حتى إذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ من قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ، أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قد كَذَّبُوهُمْ، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذلك). (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة يوسف، باب قوله: (حتى إذا استيأس الرسل: 110)
ويأتي لفظ اسْتَيْأَس بمعنى يَئِسَ، (لسان العرب، 15/306)، واليأس هو فقد الأمل، والتعبير القرآني بهذا اللفظ له من الدلالة ما له، على تفاقم أزمة الرسل، عليهم السلام، مع أعدائهم، وخلال قيامهم بأداء ما أنيط بهم من دعوة إلى الله على بصيرة، مما يعني لزوم التأسي بصبرهم، وجلدهم، وثباتهم على الحق، فمهما اشتد ظلام الليل بنا، فإن نور الفجر الساطع سيأتينا، كما أتى الذين جَاءهُمْ نَصْر الله من قبلنا، وما ذلك على الله بعزيز.
فينبغي التركيز في المناسبات جميعها على بث روح الأمل بالفرج والنصر في نفوس المؤمنين؛ لأن من أخطر أشكال الهزيمة تلك التي تعشش في النفوس والقلوب، فتحدث ضعفاً في البنية، وصغاراً في المواقف، مما يتيح للمتربصين أن ينالوا منها ما شاءوا.
فمع المحفزات الإيمانية على الجلد والصبر، المحفوفة بالتأكيد على حتمية انتصار الحق مهما طال أمد ليل الباطل، ينبغي أن نعمل دائماً، لنكون من الصابرين والمصابرين، حتى نوفى الأجور بغير حساب، ومن المحافظين على الثغور التي نرابط عليها، عمادنا التقوى، عسى أن نكون من المفلحين، الذين بشرهم الله بنصره القريب، آملين أن ييسر الله الوقوف عند مزيد من محطات تعزيز الأمل بتحقق نصر الله القريب لسائليه من المسلمين الصابرين والمرابطين والمحتسبين، وأن يهدينا صراط الذين أنعم عليهم، ممن تأسوا بنهج وسيرة خاتم النبيين والمرسلين محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
23 جمادى الأولى 1439هـ

تاريخ النشر  2018-02-09
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس