.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 لما سأل والمؤمنون متى نصر الله؟ أجابهم سبحانه بأنه قريب - الحلقة الخامسة  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ عن رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قال: (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ على العَدُوِّ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَبَيْنَمَا أنا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأرض، فَوُضِعَتْ في يَدَيَّ) (صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة)
وقفت الحلقة السابقة عند بعض معززات اليقين بنصر الله القريب، فعرضت نموذجاً للأمل بالفرج في ساعات الشدة، تمثل بما حصل للمسلمين وأعدائهم يوم الخندق، حين تحزب الأحزاب لاقتلاع المسلمين من دارهم، مبينة أنه في معترك الأزمات وحدتها، وعسر الأحوال، يحتاج المتأزمون إلى نفحات أمل تهدئ من روعهم، وتطمئن قلوبهم، ومن ذلك التوجه إلى الله عز وجل بالدعاء بهزم الأعداء وزلزلتهم، حيث إن من الأساليب المستخدمة للتعبير عن اليقين بنصر الله، الدعاء الذي يوجهه المؤمنون إلى الله، طالبين مدده وعونه سبحانه، بأن يعينهم على هزم عدوهم، ونصرهم عليه، ومن الشواهد الدالة على حتمية تحقق النصر الرباني للمؤمنين الكثيرة، تأكيد الباري سبحانه على تأييده للرسل، عليهم السلام، وللذين آمنوا معهم بنصره المنجي لهم، والممحق لأعدائهم، حيث جاء الاستدلال بهذا الشاهد في سياق تفسير المراد بنصر الرسل، لما استيأسوا، وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ، فجَاءهُمْ نَصْرُ الله الذي نجا به مَن شَاء من عباده، مع التأكيد على أن بأسه َلاَ يُرَدُّ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ، وذلك حسب دلالات الآية 110 من سورة يوسف.

إلقاء الرعب وقذفه في قلوب أعداء المسلمين
في الحديث الشريف أعلاه تأكيد من النبي، صلى الله عليه وسلم، على تحقق نصر الله له بخارق نفسي، أصاب قلوب أعدائه من خلال الرعب الذي انتابها، وقد عني القرآن الكريم بإبراز هذا الجانب في معارك الحق والباطل، التي يخوضها أهل كليهما، فوعد الله في أكثر من سورة قرآنية بأن يلقي في قلوب الكافرين الرعب، فقال جل شأنه: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (آل عمران: 151)
تشير هذه الآية الكريمة إلى ما حدث لأعداء المسلمين في أعقاب غزوة أحد، مع التذكير إلى أن معنى الآية لا ينحصر بهذا الحدث فحسب، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والرُّعْبُ والرُّعُبُ في اللغة: الفَزَع والخَوْفُ. (لسان العرب، 6/171)
وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكِينَ لَمَّا ارْتَحَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ، انْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بَعْضَ الطَّرِيقِ، نَدِمُوا وَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْنَا، قَتَلْنَاهُمْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلا الشَّرِيدُ تَرَكْنَاهُمُ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ. (تفسير البغوي، 1/521)
وورد الحديث عن إلقاء الرعب في قلوب الكافرين، في قوله تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}. (الأنفال: 12)
يلاحظ أن الرعب في هاتين الآيتين ألقي في قلوب الكافرين، بينما في مواضع أخرى قُذف قذفاً، فقال تعالى: {...وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً}. (الأحزاب: 26)
ومعنى {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} أي دبَّ الخوف الشديد في قلوبهم، بحيث أسلموا أنفسهم للقتل، وأهليهم وأولادهم للأسر، حسبما ينطق به قوله تعالى: {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} من غير أن يكون من جهتهم حراك، فضلاً عن المخالفة والاستعصاء. (تفسير أبي السعود، 7/100)
يرى بعض العلماء أن فعل القذف استعير لحصول الرعب بسرعة في قلوبهم دفعة واحدة، دون سابق تأمل، وبلا سبب. واستعير فعل الإلقاء لجعل الرعب في قلوب الذين كفروا مستقبلاً؛ ولهذا قال تعالى: سنلقي، بالسين الدالة على المستقبل القريب، والتأكيد بحصول الرعب في قلوب الذين كفروا. ولو قيل: سنقذف أو سنضع، لكان خلفًا من الكلام، لا يتناسب مع بلاغة القرآن وبيانه، والله تعالى أعلم. (موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن، www.quran-m.com/?/quran/article/2402)
ويقول تعالى: {... فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (الحشر: 2)
نزلت هذه الآية الكريمة معقبة على غزوة بني النضير، حيث أثبت الله في قلوبهم الخوف الذي يرعبهم.
والرسول، صلى الله عليه وسلم، أكد على أنه أُيد بالرعب، الذي سلطه الله على قلوب أعدائه، فجاء في صحيح البخاري، بَاب قَوْلِ النبي، صلى الله عليه وسلم: (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)، وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: {سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ} قَالَهُ جَابِرٌ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وفيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، فَبَيْنَا أنا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأرض، فَوُضِعَتْ في يَدِي، قال أبو هُرَيْرَةَ، وقد ذَهَبَ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب مسيرة شهر")
وعن جَابِر بن عبد اللَّهِ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ من الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ من أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لي الْغَنَائِمُ، وكان النبي يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلى الناس كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ) (صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً")
وعن ابن عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما أَنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ). (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله: {وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} (الفرقان: 48)
والصبا هي الريح الشرقية، والدبور هي الريح الغربية. (فتح الباري، 7/402)

نصر الله القريب
بشر الله المؤمنين بنصره القريب، في مواضع قرآنية عديدة، وفي مناسبات مختلفة، ففي سورة الصف، دل الله تعالى المؤمنين على تجارة تنجيهم من عذاب أليم، طلب منهم فيها أن يؤمنوا بالله ورسوله، ويجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم، وضم سبحانه إلى جزائهم، إضافة إلى وعدهم بمغفرة ذنوبهم، وإدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن، وعدهم سبحانه بمثوبة أخرى يحبونها، هي نصر من عنده سبحانه، وفتح قريب، فقال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}. (الصف:13)
جاء في التفسير الكبير، أن قوله تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا}؛ أي تجارة أخرى في العاجل، مع ثواب الآجل، قال الفراء: وخصلة أخرى تحبونها في الدنيا، مع ثواب الآخرة، وقوله تعالى: {نَصْرٌ مّن اللَّهِ} هو مفسر للأخرى؛ لأنه يحسن أن يكون نَصْرٌ مّن اللَّهِ مفسراً للتجارة، إذ النصر لا يكون تجارة لنا، بل هو ربح للتجارة، وقوله تعالى: {وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}؛ أي عاجل، وهو فتح مكة، وقال الحسن هو فتح فارس والروم، وفي {تُحِبُّونَهَا}شيء من التوبيخ على محبة العاجل. (التفسير الكبير، 29/276)
فالنصر المتمثل بالفتح وغيره قريب، وهو لا يكون للمؤمنين إلا من الله، الذي وعدهم إياه، في مواضع قرآنية عديدة، وبخاصة في سياق التعقيب على نتائج لقاءاتهم الحاسمة مع أعدائهم، ففي أعقاب الحديث عن مجريات غزوة بدر ونصر المؤمنين فيها، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (آل عمران: 126)
وقد أكد الله عز وجل هذه الحقيقة الإيمانية، ليبقى المسلمون على ثقة ويقين بأن النصر لن يكون حليفهم إلا إذا ساقه الله العلي القدير إليهم، ووفق وعوده سبحانه، فإن ذلك قريب منهم، ولو أن بعض الناس يرونه بعيداً، فصبراً صبراً معشر المؤمنين والمرابطين، لأن وعد الله آت آت، مصداقاً لقوله تعالى:{فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً* إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً* وَنَرَاهُ قَرِيباً} (المعارج:5-7) ومن أصدق من الله قيلاً وحديثاً؟!!!
آملين أن ييسر الله الوقوف عند مزيد من الشواهد القرآنية الدالة على أن نصر الله قريب، وهو لا يكون إلا من عنده جل في علاه، سائلينه سبحانه أن يزيدناً يقيناً بذلك، وأن يهدينا صراطه المستقيم، صراط خاتم النبيين والمرسلين محمد، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
30 جمادى الأولى 1439هـ

تاريخ النشر  2018-02-16
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس