.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 لما سأل والمؤمنون متى نصر الله؟ أجابهم سبحانه بأنه قريب - الحلقة الثانية  

==========================================================

 عن البَرَاءِ، رضي الله عنه، قال: (رأيت النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الخَنْدَقِ، وهو يَنْقُلُ التُّرَابَ، حتى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ -وكان رَجُلاً كَثِيرَ الشَّعَرِ- وهو يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عبد اللَّهِ بن رواحة:
اللهم لَوْلا أنت ما اهْتَدَيْنَا ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إن لَاقَيْنَا
إِنَّ الأَعْدَاءَ قد بَغَوْا عَلَيْنَا إذا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
يَرْفَعُ بها صَوْتَهُ) (صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق)
لم يغب عن ذهن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وقلبه ولسانه، ولا عن أصحابه الغر الميامين، الإيمان، بلزوم توثيق الصلة بالله عز وجل، وذلك في كل أحوالهم، وبخاصة في ساعات الشدة، التي بلغت بهم ذروتها في ظروف كثيرة، فتوجهوا إلى الله طالبين النصر، أو سائلين عن موعده، وفي الحديث أعلاه بيان عقائدي عبرت عنه أبيات شعرية، تؤكد معانيها عمق الإيمان بقدرة الله، واليقين بنصره، ولزوم التوكل عليه، إلى جانب الإفصاح عن شكر آلائه، المتمثلة في الهداية، والتوفيق لأداء الصلاة والصدقات، وسؤاله سبحانه السكينة، وتثبيت الأقدام في الملمات، وأمام الشدائد والصعاب. ويأتي استهلال هذا المقال بهذا الحديث الشريف، تواصلاً مع ما جاء في الحلقة السابقة، التي وقفت عند مسألة التعرض للغاية القصوى من الشدة، في سياق الابتلاء والمحن التي تجتاح بعض الناس، وتم ضرب المثل بصبر الشعب الفلسطيني، أمام المحن العصيبة التي تواجهه، مع التذكير بأبرز التوجيهات الشرعية للمؤمنين المبتلين، للتحلي بالصبر، واليقين بنصر الله وفرجه، حيث بشر سبحانه عباده المؤمنين بنصره القريب، وبينت الحلقة السابقة كذلك، أن لجوء من يتعرضون لحالة الاستضعاف إلى طلب النصرة ممن يملك القوة وأدواتها سنة جارية، فالصحابة لما اشتدت بهم الأزمات، هرعوا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، طالبين دعاءه، ليفرج الله كربهم، وينصرهم على من عاداهم، ولما سألوا والرسول، صلى الله عليه وسلم، متى نصر الله؟ جاءهم الرد الرباني الفوري والحاسم: ألا إن نصر الله قريب، وفيما يأتي وقفات أخرى عند بعض القضايا ذات الصلة باليقين، النابع من إيمان راسخ بتحقق نصر الله الموعود لعباده المبتلين في سبيله.

حتمية انتصار الحق وبقائه
كثيرة هي الآيات القرآنية التي تبشر بنصر الله القريب لعباده الذين قدموا لله ما طلب منهم، من أنفسهم وأموالهم، فالنصر الأكيد ييسره الله بقدرته لمن شاء من عباده، وأي قوة في الدنيا مهما تعاظمت قدراتها، فإنها ستعجز عن الانتصار في معركة يؤيد الله فيها خصمها، وفي سياق الإخبار عن هذه الحقيقة يقول تعالى:{إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ المُؤْمِنُونَ}(آل عمران:160) ويقول جل شأنه:{أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} (الملك:20) فالبصير يسأل الله حاجاته كلها؛ لأنه متيقن بأن الخلق إنسهم وجنهم لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله له، وَلَوْ اجْتَمَعُوا على أَنْ يَضُرُّوه بِشَيْءٍ لم يَضُرُّوه إلا بِشَيْءٍ قد كَتَبَهُ الله عَلَيْه.
والله نصر الرسل، عليهم السلام، بعدما أصابتهم الشدائد والصعاب، وبلغت بهم مبلغاً عظيماً، فجاءهم بنصره المؤزر، وصدقهم وعده، مصداقاً لقوله عز وجل: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} (الأنبياء: 9)، والله لا يخلف وعده، لا للرسل، عليهم السلام، ولا لغيرهم من الخلق، وهو القائل جل شأنه: {فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} (إبراهيم:47)، ولن يخلف الله وعده لنا كذلك، نحن القابضون على جمر الاحتلال، وظلمه وغطرسته، ما استقمنا على دينه ونصرناه، تحقيقاً لمتطلبات النصر التي اشترطها جل في علاه، حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7) مع التنبيه إلى أن مثل هذا الوعد، جاء مقترناً مع الأمر بقتال أعداء الله، كما في قوله عز وجل: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}. (التوبة:14)
وفي مقابل تبشير المؤمنين بالنصر، فإن توعد الظالمين بالهلاك، وإسكان المؤمنين الأرض من بعدهم، يبقى قائماً إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، مصداقاً لقوله عز وجل:{وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم:14)، فالغلبة والنصر لكم عباد الله المخلصين، وعدكم الله إياهما، ما دمتم على العهد معه، مستقيمين على دينه، وهو القائل جل ذكره:{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (الصافات: 171-173)

التساؤل القرآني بلفظ: أم حسبتم؟
تكرر التساؤل المطروح من رب العزة في القرآن الكريم، بلفظ { أم حسبتم؟} ثلاث مرات، وذلك في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (البقرة:214)، وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ
وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:142)
وقوله جل ذكره: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (التوبة:16) ومن أقوال العلماء في تفسير هذا التكرار، أن الأول للنبي، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، والثاني للمؤمنين، والثالث للمخاطبين جميعاً. (أسرار التكرار في القرآن، 1/42)
وفي سورة العنكبوت جاء مثل هذا التساؤل، بلفظ {أحسب}، وكان موجهاً للناس، فقال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} (العنكبوت:2)
من الواضح أن هذه الآيات نزلت في ظروف مفعمة بالشدة والضيق، فدلت على أن الابتلاءات والفتن محكات لا بدَّ منها، ليميز الله الخبيث من الطيب، ويظهر الصادقين من غيرهم، فجنته غالية، وعدها الذين اشترى منهم أنفسهم، وأموالهم مقابلها، عسى أن نكون منهم.

متى فرج الله ونصره؟
يسأل كثير من الناس، وبخاصة المبتلين بالصعاب، عن الفرج، متى هو؟ وعن النصر القريب، متى يكون؟ والإجابة الجازمة المحددة للمواقيت الزمانية عن مثل هذين السؤالين، لا يملكها إلا الله جل في علاه، فهو المختص بالقدرة على كل شيء، وبيده ملكوت السماوات والأرض، والأيام تجري بأمره دُولاً، يسر بعضها أناساً، ويُحزن آخرين، لكن شتان بين الذين يستقيمون على أمر الله، ويصبرون على ما يجدون في سبيل ذلك، ويحتسبون الجزاء من لدن عزيز حميد، فعّال لما يريد، وبين التائهين عن أمر الله، المتغطرسين في الغي والظلم، المنخدعين بسراب القوة التي يملكون، على درب فرعون وهامان وقارون، وأقوام نوح وهود وصالح، وأبي جهل وأبي لهب، ومن كان على شاكلتهم من الغابرين والحاضرين، الفرق بين الفريقين كبير، والبون بينهما شاسع، فرق بين من يؤمن بعاقبة فيها جنان، تجري من تحتها الأنهار، وبين راكبي قطار جهنم التي نارها تلظى، كلما خبت زدناهم سعيراً.
والمؤمنون بالله رباً، وباليوم الآخر وما فيه، لن يجدوا معضلة تحول دون توصلهم لإجابة شافية عن السؤالين المطروحين آنفاً، فالنصر قريب، والفرج آت، ولن يرتاب مؤمن في حتميتهما، لكن بعض الناس يستعجلون، أو يضيقون ذرعاً بالصعاب، والله لا يعجل باستعجال الخلق، وإنما كل شيء عنده بقدر، وهو القائل سبحانه: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} (الحجر:21)، فالصبر الصبر، والثبات الثبات على الحق، فالعاقبة للمتقين، ونصر الله العزيز لهم، وإن استبطأه بعض الناس، ممن ضاقت بهم الأرض بما رحبت، وظنوا بالله الظنونا.
سائلين الله العلي القدير أن يهيئ السبيل القويم، لمتابعة الوقوف عند مزيد من المحطات الخاصة بتعزيز الإيمان بحقيقة قرب تحقق نصر الله لعباده المؤمنين، المرابطين الصابرين المصابرين، على درب خاتم النبيين والمرسلين، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله، وأزواجه، وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
9 جمادى الأولى 1439هـ

تاريخ النشر  2018-01-26
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس