.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 لما سأل والمؤمنون متى نصر الله؟ أجابهم سبحانه بأنه قريب - الحلقة الأولى  

==========================================================

 يقول الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} (البقرة:214)
جاء في تفسير السعدي أن الله تعالى يخبر في هذه الآية الكريمة، أنه لا بد من أن يمتحن عباده بالسراء والضراء والمشقة، كما فعل بمن قبلهم، فهي سنته الجارية التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبالِ بالمكاره الواقفة في سبيله فهو الصادق، ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله؛ بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه. (تفسير السعدي، 1/96)

التعرض للغاية القصوى من الشدة
تتعرض أمة الإسلام اليوم إلى مصائب وويلات من شتى الصنوف، ومختلف المستويات، وبخاصة تلك المحن العصيبة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، جراء الاحتلال البغيض، المتسلط على البلاد والعباد، حيث بلغت الشدائد الزبى، وضاقت بالكثيرين من أبنائه الأرض بما رحبت، وبالتأكيد أن تشوق المكروب إلى الفرج يكون شديداً، والتطلع إلى النصر يتعاظم مع تفاقم الأزمات، وفي ظل هذه الأجواء، يحسن الرجوع إلى كتاب الله العظيم، وسنة خاتم النبيين والمرسلين، لاستلهام الدروس والعبر، واستنباط التوجيهات الحكيمة، التي تشفي العليل إن أُحسن فهمها، وأُتقن العمل بموجبها، كما الدواء الناجع الذي يلائم معالجة أمراض شخصت بدقة، فيقضي على الأسقام، ويعيد للأجساد عافيتها.
والآية الكريمة المذكورة أعلاه، ذات صلة بواقع شبيه بما ينتاب المبتلين من المحن اليوم، فهي تثبت حقيقة أن من استحقاقات نيل الجنة، ودخولها الثبات على المبادئ أمام المحن الشديدة، كما كان من صالحي السابقين الذين مسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ، ومن شدة ما مسهم تضرعوا إلى الله ربهم، سائلين النصر، فكان جوابه جل في علاه: {... أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ}
وجاء في التفسير الكبير، أن في الكلام حذفاً، تقديره مثل محنة الذين من قبلكم، وقوله: {مَسَّتْهُمْ} بيان للمثل، وهو استئناف، كأنَّ قائلاً قال: فكيف كان ذلك المثل؟ فقال: {مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ}، و{الْبَأْسَاء}اسم من البؤس، بمعنى الشدة، وهو الفقر والمسكنة، ومنه يقال فلان في بؤس وشدة، وأما {الضَّرَّاء} فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف، ويرى الرازي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه.
وأما قوله: {وَزُلْزِلُواْ} أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا، قال الزجاج: أصل الزلزلة في اللغة من أزال الشيء عن مكانه، فإذا قلت زلزلته، فتأويله أنك كررت تلك الإزالة، فضوعف لفظه بمضاعفة معناه، وكل ما كان فيه تكرير، كررت فيه فاء الفعل، نحو صر وصرصر، وكف وكفكف، وفسر بعضهم {زلزلوا} هاهنا بخوفوا، وحقيقته غير ما ذكر آنفاً، وذلك لأن الخائف لا يستقر، بل يضطرب قلبه، ولذلك لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد؛ لأنه يذهب السكون، فيجب أن يكون زلزلوا هاهنا مجازاً، والمراد خوفوا، ويجوز أن يكونوا مضطربين، لا يستقرون؛ لما في قلوبهم من الجزع والخوف.
والله تعالى بعد ذكر هذه الأشياء ذكر شيئاً آخر، وهو النهاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة، فقال: {وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} وذلك لأن الرسل، عليهم السلام، يكونون في غاية الثبات والصبر، وضبط النفس عند نزول البلاء، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة. (التفسير الكبير، 6/ 17-18)

الصحابة يطلبون النصرة
لم يقتصر طلب النصر على ظروف تفاقمت فيها المحن، وتعاظمت بسببها المعاناة، نتيجة البأساء والضراء، على الأنبياء السابقين، عليهم السلام، وأتباعهم، بل بادر الصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم، إلى ذلك، لما تعرضوا لصنوف الأذى من المتغطرسين والظالمين والأعداء، وكان رد الرسول، صلى الله عليهمسل ، على شكواهم يتماشى مع ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في مثل هذه الظروف، من حيث الصبر، والجلد، والثبات على الحق، فعن خَبَّابِ بن الأَرَتِّ، قال: (شَكَوْنَا إلى رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا له: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟! ألا تَدْعُو اللَّهَ لنا؟! قال: كان الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرض، فَيُجْعَلُ فيه، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ على رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ من عَظْمٍ أو عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأَمْرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِبُ من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلا اللَّهَ، أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام)
التأكيد الصادر عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الشريف بحتمية انتصار الإسلام، وعلو شأنه، جاء في موقف صعب للغاية، عبر عنه المشتكون من خلال سؤالهم دعاءه عليه الصلاة والسلام النصر من الله تعالى.
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، استخدم أسلوبين فاعلين في تهدئة روع المتضررين من صعوبة الشدائد التي كانت تعصف بهم، تمثل أحدهما بضرب المثل بمن تعرضوا لأصعب بكثير مما يتعرض له الشاكون إليه، والثاني ببعث الأمل
في نفوس الشاكين وغيرهم من المؤمنين بأن نصرهم أكيد، ولم يقتصر الأمر على مجرد الإخبار عن حقيقة مستقبلية،
ستحدث فحسب، بل لجأ عليه الصلاة والسلام إلى مزيد من تأكيد الثقة بحدوث ما أخبر عنه، من خلال استخدامه القسم بقوله: (والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأَمْرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِبُ من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إلا اللَّهَ أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ) فمن المهم جداً اليقين بحقيقة النصر الموعود، حتى تبقى العزائم قوية، ويبقى الأمل مشعاً ولو بلغت الظروف ما بلغت من الشدة والظلمة، فالرسول، صلى الله عليه وسلم، جاء بهذا المثل لأناس يشكون القسوة، لا لمتمتعين بالرغد والرخاء والرفاهية.

{أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}
لما بلغت بالذين من قبلنا الشدة إلى درجة عظيمة، دفعتهم إلى السؤال عن موعد نصر الله، من خلال قولهم: {مَتَى نَصْرُ اللّهِ}رد العلي القدير ذو القوة المتين، بقوله تعالى: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} وفي ذلك إجابة عن سؤالهم، فتقدير الآية، هكذا كانت حالهم إلى أن أتاهم نصر الله، ولم يغيرهم طول البلاء عن دينهم، وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك، وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق، فإن نصر الله قريب؛ لأنه آت، وكل ما هو آت قريب، وهذه الآية مثل قوله تعالى في فاتحة سورة العنكبوت، حيث يقول جل شأنه: { الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت:1-3)
والمقصود من هذه الآية أن أصحاب الرسول، عليه الصلاة والسلام، كان ينالهم الأمر العظيم من البأساء والضراء من المشركين والمنافقين واليهود، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح، وذهاب الأموال، والنفوس ما لا يخفى، فعزاهم الله في ذلك، وبين أن حال من قبلهم في طلب الدين كان كذلك، وذكر الله من قصة إبراهيم، عليه السلام، وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب، عليه السلام، وما ابتلاه الله به، ومن أمر سائر الأنبياء، عليهم السلام، في مصابرتهم على أنواع البلاء ما صار ذلك في سلوة المؤمنين. (التفسير الكبير، 6/ 17-18)
راجين من الله أن ييسر متابعة الحديث في الحلقة القادمة عن مزيد من جوانب إجابته سبحانه عن سؤال: متى نصر الله؟ الذي طرحه المؤمنون والرسول، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
2 جمادى الأولى 1439هـ

تاريخ النشر  2018-01-19
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس