.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً

==========================================================

 عن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو، رضي الله عنهما، قال: (لم يَكُنْ النبي، صلى الله عليه وسلم، فَاحِشًا ولا مُتَفَحِّشًا، وكان يقول: إِنَّ من خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا)(صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي، صلى الله عليه وسلم)
كيف للرسول، صلى الله عليه وسلم، أن لا يكون القدوة في حسن الخلق، وقد أثنى عليه رب العزة بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم: 4)
وفي الحديث أعلاه يصف الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، النبي، صلى الله عليه وسلم، بأنه لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً، وعن شرح المراد بهذين اللفظين، يذكر العيني، أن قوله: (فَاحِشًا) من الفحش، وهو كل ما خرج من مقداره حتى يستقبح، ويدخل فيه القول والفعل والصفة، يقال: فلان طويل فاحش الطول، إذا أفرط في طوله، ولكن استعماله في القول أكثر، وقوله: (ولا مُتَفَحِّشًا) وفي رواية الأكثرين (ولا متفاحشاً)، والمتفحّش بالتشديد الذي يتعمد ذلك، ويكثر منه، ويتكلفه؛ يعني ليس فيه ذلك أصلاً، لا ذاتياً ولا عرضياً، وقال الداودي: الفاحش الذي يقول الفحش، والمتفحش الذي يستعمل الفحش ليضحك الناس، وقال الطبري: الفاحش بذيء اللسان.(عمدة القاري، 22/116)

خياركم أحسنكم أخلاقاً
لم يكن كف النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الفحش تكلفاً، أو أمراً عارضاً، وإنما كان من شيمه ومكارم أخلاقه، وهو القائل: (إِنَّ من خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا)، قال الحسن: حسن الخلق بذل المعروف، وترك الأذى، وطلاقة الوجه، وقال القاضي: هو مخالقة الناس باليُمن والبِشر، والتودد لهم، والإشفاق عليهم، واحتمالهم، والحلم عنهم، والصبر عليهم في المكاره، وترك الكبر، والاستطالة عليهم، ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة. قال: وحكى الطبري خلافاً للسلف في حسن الخلق، هل هو غريزة أو يكتسب؟ قال القاضي: والصحيح أن منه ما هو غريزة، ومنه ما يكتسب بالتخلق، والاقتداء بغيره.(صحيح مسلم بشرح النووي، 15/79)

لم يكن لعاناً ولا سباباً وقوله عند المعتبة
من مكارم أخلاقه، صلى الله عليه وسلم، وتنزهه عن الفحش، أنه لم يكن لعاناً ولا سباباً، فعن أَنَسٍ قال: (لم يَكُنْ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَاحِشًا ولا لَعَّانًا، ولا سَبَّابًا، كان يقول عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ ما له تَرِبَ جَبِينُهُ)(صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن)
جاء في مرقاة المفاتيح، المقصود بقوله: (ولا لعاناً ولا سباباً) نفي اللعن والسب، وكل ما يكون من قبيل الفحش القولي، لا نفي المبالغة فيهما، وكأنه نظر إلى أن المعتاد هو المبالغة فيهما، فنفاهما على صيغ المبالغة، والمقصود نفيهما مطلقاً، كما يدل عليه آخر كلامه، (وكان يقول عند المعتبة) بفتح التاء، وقيل: بكسرها أيضاً، بمعنى الملامة والعتاب، وبمعنى الغضب، والمعنى غاية ما يقوله عند المعاتبة أو المخاصمة هذه الكلمة، معرضاً عنه، غير مخاطب له، وقوله: (ما له تَرِبَ جَبِينُهُ) وهي أيضاً ذات وجهين، إذ يحتمل أن يكون دعاء على المقول له، بمعنى رغم أنفك، وأن يكون دعاء له بمعنى سجد لله وجهك.(مرقاة المفاتيح، 10/484)

نبذ العنف في السنة العملية
من التطبيقات العملية في سيرته، صلى الله عليه وسلم، ومواقفه حيال نبذ الفحش، ما جاء في الحديث الصحيح عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها: (أَنَّ يَهُودَ أَتَوْا النبي، صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فقالت عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ الله، وَغَضِبَ الله عَلَيْكُمْ، قال: مَهْلًا يا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، قالت: أو لم تَسْمَعْ ما قالوا؟ قال: أو لم تَسْمَعِي ما قلت؟ رَدَدْتُ عليهم، فَيُسْتَجَابُ لي فِيهِمْ، ولا يُسْتَجَابُ لهم فِيَّ)(صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب لم يكن النبي، صلى الله عليه وسلم، فاحشاً ولا متفحشاً)
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الشريف يزجر عائشة، رضي الله عنها، لتوسعها في الرد على إساءة صدرت من وفد يهودي، حين قالوا: (السَّامُ عَلَيْكُمْ)؛ أي الموت عليكم، فردت عليهم بما لم يرق له صلى الله عليه وسلم، مبيناً، أن رده المختصر كان كافياً، حين قال: (وعَلَيْكُمْ) فالله يستجيب له فيهم، ولا يستجيب لهم فيه، منطلقاً بهذا الفهم من يقينه المطلق بأن الله معه، وناصره على من عاداه ويعاديه، وبين لها أن اختصار الرد على ما فيه من حسم وأخذ حق، ينسجم مع الرفق الذي حثَّ المسلمين على التحلي به لعظيم فضله وأهميته، وهو القائل عنه: (إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ في شَيْءٍ إلا زَانَهُ ولا يُنْزَعُ من شَيْءٍ إلا شَانَهُ) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق)
ومن صور صرامته ضد التخلق باللعن والسباب، ما ورد منه، صلى الله عليه وسلم، تجاه الناقة التي لعنتها صاحبتها، فعن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، قال: (بَيْنَمَا رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَامْرَأَةٌ من الْأَنْصَارِ على نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذلك رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فقال: خُذُوا ما عليها، وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ، قال عِمْرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الْآنَ تَمْشِي في الناس ما يَعْرِضُ لها أَحَدٌ)(صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها)
هدانا الله لنبذ اللعن والسباب، والتحلي بأحسن الأخلاق؛ تأسياً بالرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
26 صفر 1441هـ

تاريخ النشر  2019-10-25
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس