.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 كان إذا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ  

==========================================================

 عن عَائِشَةَ، قالت: (كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إذا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ، وكان إذا نَامَ من اللَّيْلِ، أو مَرِضَ، صلى من النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، قالت: وما رأيت رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قام لَيْلَةً حتى الصَّبَاحِ، وما صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إلا رَمَضَانَ( (صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض)
انتهى المسلمون من أداء شعائر عيد الأضحى، وعاد حجاج بيت الله الحرام إلى أهليهم، بعد أن انتهوا من أداء مناسك الحج، آملين أن يكون حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً، ويشار إلى أن المسلمين الذين لم يؤدوا الحج هذا العام انشغلوا في أيام الحج المعدودات بعمل الصالحات بأنواعها المختلفة، والتي منها الصيام والصدقة والصلاة، والاستغفار والإنابة إلى الله والذكر، وإصلاح ذات البين، مما يعني أن الانشغال بالعبادة جمع الحجاج والمسلمين الآخرين في بوتقة واحدة، وفي الحديث النبوي أعلاه إخبار من أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، عن ثبات الرسول، صلى الله عليه وسلم، على العمل الذي يعمله من الصالحات، وهذا يدل على أن النبي، عليه الصلاة والسلام، لم تكن بينه وبين العبادة فجوة أو فراغ، وإنما كان يتواصل معها بشكل دائم ومستمر، وكان يحافظ على أداء العمل الصالح الذي اعتاد عليه، ومما جاء في شرح معنى قول عائشة، رضي الله عنها: (كان رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إذا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ) أي أحكم عمله، بأن يعمل في كل شيء بحيث يدوم دوام أمثاله، وذلك محافظة على ما يحبه ربه ويرضاه.(فيض القدير:5/150)

أَحَبُّ الأعمال إلى اللَّهِ أَدْوَمُهَا
في حديث عائشة أعلاه دليل على حرص الرسول، صلى الله عليه وسلم، على مداومة أداء الذي تعود عليه من نوافل الصلاة والقيام، فإذا اعترضه طارئ من نوم أو سواه أو مرض فحال دون أدائه تلك السنن كان يصلي في النهار ثنتي عشرة ركعة عوضاً عن صلاة الليل التي فاتته، والمقصود بالصلاة الفائتة هنا صلاة الليل، فعن عَائِشَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، كان إذا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ من اللَّيْلِ من وَجَعٍ أو غَيْرِهِ صلى من النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) (صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض)
ويرى النووي أن في هذا دليل على استحباب المحافظة على الأوراد، وأنها إذا فاتت تقضى. (صحيح مسلم بشرح النووي:6/27)
والشواهد الشرعية كثيرة على فضل المحافظة على أداء العبادة، الفرض منها وما تم التعود على أدائه من نوافلها، فعن عَائِشَةَ، رضي الله عنها، أنها قالت: (سُئِلَ النبي، صلى الله عليه وسلم، أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قال: أَدْوَمُهَا، وَإِنْ قَلَّ، وقال: اكْلَفُوا من الأَعْمَالِ ما تُطِيقُونَ) (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصر والمداومة على العمل)
وعلى خلاف ذلك؛ جاء الذم للذي ينقطع عن أداء العبادة التي اعتاد أداءها، فعن عبد اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ، رضي الله عنهما، قال: (قال لي رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: يا عَبْدَ اللَّهِ؛ لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ، كان يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)(صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه)

مواصلة العهد مع العبادة
المسلم يعيش حياته عابداً لله في شأنه كله، من خلال انصياعه لأمر الله، فهو يعبد الله في الكف عن الحرام والتقيد بالحلال، وأداء الشعائر التعبدية، والاستزادة من أداء النوافل التي ترتقي به ليكون ضمن أولياء الله الذين يحبهم الله تعالى ويسدد خطاهم، وفق ما جاء في الحديث القدسي (... وما تَقَرَّبَ إلي عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلي مِمَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إليَّ بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ؛ كنت سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، وَرِجْلَهُ التي يَمْشِي بها، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ...)(صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع)
والمسلم في المحصلة يؤدي العبادة، ويتواصل معها دون انقطاع، عملاً بأمر الله جل في علاه، الذي جعل العبادة غاية خلق الإنس والجن، مصداقاً لقوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات:56)
والله تعالى ركز على إبراز صفة المحافظة على الصلاة، وإدامة أدائها في ثنايا الثناء على عباده الأبرار، فقال عز وجل: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ}(المعارج:23) {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}(المعارج:34)
والمحافظة على أداء الصلاة تكون في الأحوال كلها، حتى في حال المرض، فعن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ، رضي الله عنه، قال: (كانت بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الصَّلاةِ، فقال: صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لم تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لم تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) (صحيح البخاري، كتاب الجمعة، أبواب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق قائماًً صلى على جنب)
ولا ينقطع المسلم العابد عن أداء العبادة حتى رحيله عن هذه الدنيا الغابرة، حسب أمره جل في علاه: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر:99)
فالمسلم يديم الحرص على أداء العبادة، ولا ينحصر أداؤه لها بزمن دون غيره، ولا بمناسبة دون سواها، إنما يحرص عليها في منشطه ومكرهه، في عسره ويسره، في ليله ونهاره، دون أن يكلف نفسه فوق وسعها، على هدي نبيه المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
20 ذو الحجة 1439هـ

تاريخ النشر  2018-08-31
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس