.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 عبادة الله وديمومتها - الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (من صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا من شَوَّالٍ، كان كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعاً لرمضان)
لم يترك الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذين صاموا رمضان عند أداء هذا الفرض الديني الواجب وحسب، بل شجعهم على ممارسة عبادة الصيام بعد الانتهاء من فرحتهم بالإفطار يوم عيد الفطر، وذلك على سبيل التطوع، دون الإلزام الذي خص الله به صيام رمضان، فالحديث أعلاه يشجع الصائمين على صيام جزء من شهر شوال، الذي يلي رمضان، من خلال الوعد بنيل ثواب صيام الدهر، لمن صام رمضان، وأتبعه ستة أيام من شوال، سواء صامها متتالية بعد العيد مباشرة، أم متفرقة خلال أيام الشهر، وعلى الرغم من العلم أن العبادة لا تعلل، إلا أن التدبر المشروع في حكمة الحث على صيام في شوال تطوعاً بعد الانتهاء من صوم فرض رمضان، يفسح المجال للتفكير بأن تربية المسلم على الاستقامة على العبادة، تقتضي منه تجاوز نطاق الواجبات والفرائض إلى النوافل والتطوع، حتى يبقى العباد على تواصل مع العبادات بمحض إرادتهم واختيارهم، فلا يكتفون بأداء الفرائض، ليقينهم بفضل أداء النوافل، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ قال: من عَادَى لي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إليّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إليّ بِالنَّوَافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ كنت سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ، الذي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، وَرِجْلَهُ التي يَمْشِي بها، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شَيْءٍ أنا فَاعِلُهُ، تَرَدُّدِي عن نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وأنا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) (صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع)
فعباد الله المخلصين يؤدون الفرض راغبين، ويسعون لأداء النوافل متطوعين، على أمل أن يرقوا في الدرجات، ونيل المزايا والهبات، التي من أسماها أن يشملهم الله بعين رعايته وتوفيقه، فيسدد خطاهم، ويحمي كيانهم، ويلبي دعاءهم، وقد أصاب الشاعر إذ قال:
وإذا العناية لاحظتك عيونُها لا تخشَ من بأسٍ فأنت تصانُ
وبكلّ أرضٍ قد نزلت قفارها نم فالمخاوف كلّهنَّ أمانُ
واصطد بها العنقاء فهي حبائلٌ واطعن بها الأعداء فهي سنان
وافتح كنوز الأرض فهي غرائمٌ واقتد بها الجوزاء فهي عنان
كما أصاب الشاعر الآخر الذي قال:
إِذَا لم يَكُنْ عَونٌ مِنَ اللهِ لِلفَتى فَأَوَّلُ مَا يَجنِي عَلَيهِ اجتِهَادُهُ

نموذج الرعاية الربانية لعباده المصطفين
طوبى لمؤدي الفرائض، والمتطوعين بالنوافل، طوبى لهم، وحسن مقام، طوبى لهم أن يصنعوا على عين الله، كما وعد كليمه موسى، عليه السلام، قائلاً: {...وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} (طه: 39)
ومعنى {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} أي تربى، ويحسن إليك بمرأى مني وحفظ. (التسهيل لعلوم التنزيل، 3/13)
وقصة موسى، عليه السلام، فيها من البراهين الساطعة على ثمار الرعاية الربانية، التي حين يحظى بها امرؤ أو جماعة، فإن أحوالهما تتبدل عجباً، ألم تروا كيف رجع موسى بعد أن قذفته أمه في البحر هرباً من بطش فرعون إلى حضنها وكنفها بأمر فرعون، ثم هيأ الله له السبل ليتربى في قصر فرعون، ليكون له عدواً وحزناً، مصداقاً لقوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ...} (القصص: 8)
فلا عجب أن يعد الله المتقربين له بالنوافل بعد أدائهم الفروض بأن يكون الراعي لسمعهم وأبصارهم وبطشهم بأيديهم وأرجلهم، كيف لا؟! وفي عقيدة المسلم أن سداده لا يكون إلا بتوفيق ربه، مصداقاً لقوله جل شأنه: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى ...} (الأنفال: 17)

الاستقامة على العبادة
نذكر بالنفحات سالفة الذكر المسلمين والمسلمات، الذين انتهوا لتوهم من أداء ركن مهم من أركان إسلامهم، فصاموا رمضان، وها هم مقبلون على صيام التطوع من شوال، عسى أن يفوزوا بثواب صيام الدهر الذي وعدوا، بخلاف الذين صاموا رمضان، وصلوا التراويح، وقرأوا القرآن، وصلوا الخمس، وشدوا الرحال إلى المسجد الأقصى، وبذلوا الصدقات بسخاء في رمضان، ثم انقطعوا عن هذه العبادات أو بعضها، وفترت هممهم عن أداء واجبات فرضها الله عليهم في رمضان، وغيره من شهور العام، كأداء الصلاة، التي كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً في شهور العام جميعها، لا شك أن الذين أدوا العبادات في رمضان فيهم خير، لكن عليهم أن يستثمروه لينمو سنابل عطاء ورضوان طوال حياتهم، فالأعمار قصيرة، فهنيئاً لمن اصطحب فيها الطاعات، ورافق القربات، حتى إذا ما كان الرحيل عن هذه الغابرة، وهو حتماً سيكون، طال الزمن أم قصر، كان من أهل الطمأنينة، الذين خاطب جل في علاه أنفسهم، فقال: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ*ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي*وَادْخُلِي جَنَّتِي} (الفجر:27-30)
وفي هذا المقام يحسن إجمال التذكير ببعض ما ينبغي المحافظة على التواصل معه من العبادات بعد رمضان.

المحافظة على الصلة بالقرآن
صحيح أن للقرآن الكريم صلة وثيقة بشهر رمضان، ففيه أُنزل، (وكان جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كل لَيْلَةٍ من رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ) (صحيح البخاري) (كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة) إلا أن التواصل مع القرآن تلاوة وتدارساً وحفظاً وعملاً بمقتضاه، لا ينحصر بزمن دون آخر، بل إن القرآن الكريم نفسه نزل فيه ذكر لشكوى الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى ربه من هجر الناس وإعراضهم عن القرآن الكريم، فقال جل شأنه: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} (الفرقان: 30)
وفي المراد من هجر القرآن هنا، يقول ابن كثير: أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن، ولا يستمعون له، وكانوا إذا يتلى عليهم أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعونه فهذا من هجرانه، وترك الإيمان به، وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره، وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به، وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر، أو قول، أو غناء، أو لهو، أو كلام، أو طريقة مأخوذة من غيره، كل ذلك من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء أن يخلصنا مما يسخطه، ويعلمنا فيما يرضيه من حفظ كتابه، وفهمه، والقيام بمقتضاه آناء الليل، وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه، ويرضاه إنه كريم وهاب. (تفسير ابن كثير، 3/318)

المحافظة على شد الرحال إلى المسجد الأقصى والمرابطة فيه
المسلمون من مختلف الأراضي الفلسطينية انتهزوا فسحة السماح لهم بشد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك، فتقاطروا من كل حدب وصوب، شيباً وشباناً إلى مسرى نبيهم، صلى الله عليه وسلم، وقبلتهم الأولى، تلهج قلوبهم ناطقة لبيك رسول الله، لبيك أقصاه، مستجيبين بذلك إلى الحث النبوي على شد الرحال إليه، حيث قال، صلى الله عليه وسلم: (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ، صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)(صحيح البخاري، كتاب فضائل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة)
والحشود التي شدت الرحال إلى المسجد الأقصى، أطلقت رسالة تذكيرية واضحة لا لبس فيها، أن المسجد الأقصى في قلوب المسلمين، وفي صلب عقيدتهم، التي ربط فيها الله المسجد الأقصى بالمسجد الحرام، ربطاً وثيقاً لا انفصام له، شاء من شاء، وأبى من أبى، فالأقصى لنا، وما يمنعنا عنه سوى حواجز الظالمين، وإليه ينبغي أن يصبو المسلون في أنحاء الدنيا، ولا يقبل منا ولا منهم هجر التواصل معه، والحفاظ عليه، وإعماره في رمضان وغيره، ما دام الدم في عروقنا ينبض، وما دمنا نؤمن بالله وقرآنه وأنبيائه، وحقوقنا المشروعة فيه.
سائلين الله العلي القدير أن يثبت قلوبنا على الإيمان، وأن لا يزيغها عنه، على أمل أن ييسر الله مواصلة الحديث عن لفت الانتباه إلى أهمية الاستقامة على عبادة الله، وديمومتها في الحلقة القادمة، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى الدين.
6 شوال 1438هـ

تاريخ النشر  2017-06-30
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس