.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 طمأنه ربه عز وجل إلى عطائه وإحسانه  

==========================================================

 يخاطب الله سبحانه نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، قائلاً: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (المؤمنون: 72)
جاء في التفسير أن المراد بالخرْجِ هنا الأجر والجزاء، والمعنى أنه صلى الله علمه وسل ، لا يسأل الناس أجراً في مقابل تبليغ الرسالة. (أضواء البيان، 5/344)
وورد ذكر الخرج في القرآن الكريم بهذا المعنى في سورة الكهف، حيث يقول تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً}. (الكهف: 94)
يروي ابن كثير عن ابن عباس، في معنى قوله تعالى: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً}قال: أجراً عظيماً، يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالاً يعطونه إياه، حتى يجعل بينه وبينهم سداً، فرد ذو القرنين بعفة وديانة، وصلاح، وقصد للخير{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ...} (الكهف: 95)؛ أي إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين، خير لي من الذي تجمعونه، كما جاء عن سليمان، عليه السلام، في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ}(النمل: 36) (تفسير ابن كثير، 3/105)
فالمؤمنون وعلى رأسهم الأنبياء، عليهم السلام، يؤمنون بما لا يدع مجالاً لأي ريب، أن عطاء الله هو الخير، وما دونه لا يقارن بحال به، فمن حاز عطاء الله استغنى عما سواه، لأن عطاء الله إن تيسر للمرء فهو الأوسع والأنفع والأبقى، من هنا يأتي دور التربية الإيمانية في ترسيخ هذا الإيمان في القلوب، ليثمر أصحابها مواقف حق ثابتة، لا تزعزعها ضغوط المغرضين، ولا تعسير المتربصين، فخراج الله خير من خرج العباد، وعطاؤه ليس له مثيل، فلم الخوف إذن على الأرزاق والمستقبل، وهما بيد الله دون سواه؟!

العمل لله طمعاً في جزائه
من ثمرات الإيمان بأن عطاء الله خير من عطاء سواه، أن المؤمن بذلك يرجو جزاء أعماله من الله وحده، حتى حين يبذل المال من جيبه، فإنه لا ينتظر من متلقي هذا البذل جزاء ولا شكوراً، مصداقاً لقوله تعالى فيهم:{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُوراً} (الإنسان: 9)، جاء في التفسير أن قوله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله}عبارة عن الإخلاص لله، ولذلك فسروه وأكدوه بقولهم: {لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُوراً} والشكور مصدر كالشكر، ويحتمل أنهم قالوا هذا الكلام بألسنتهم، أو قالوه في نفوسهم، فهو عبارة عن النية والقصد. (التسهيل لعلوم التنزيل، 4/168)
والمؤمن الغني يرى أنه مستخلف على ما في يده من ثروة، فالمال لله، وما هي إلا الأقدار الربانية، التي اقتضت أن يكون هو غني من الأغنياء، وغيرهم فقراء يتلقون منهم البر والإحسان، والله جل في علاه نبه إلى هذا الجانب خلال الحث على البذل والعطاء للفقراء، فخاطب الأغنياء قائلاً: {...وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ...} (النور: 33)

الله يغني من فضله ويسد الحاجات
ومن ثمرات الإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى، أن المؤمن بذلك لا يرتعد خوفاً من حجب الخلق الرزق عنه، لأنه يركن إلى صاحب الفضل والمنة سبحانه، الرزاق ذو القوة المتين، وقد حذر الله عز وجل من التردد في الالتزام بشرعه وحكمه، جراء الخوف على الموارد الاقتصادية من أن تحجب، أو تعرقل، أو يضيق نطاقها، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. (التوبة: 28)
جاء في التفسير أن قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ} أيها المسلمون، {عَيْلَةً} أي فقراً وحاجة، من منع المشركين من قربان المسجد الحرام، بأن تنقطع الأسباب التي بينكم وبينهم من الأمور الدنيوية، {فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ} فليس الرزق مقصوراً على باب واحد، ومحل واحد، بل لا ينغلق باب إلا وفتح غيره أبواب كثيرة، فإن فضل الله واسع، وجوده عظيم، خصوصاً لمن ترك شيئاً لوجه الله الكريم، فإن الله أكرم الأكرمين، وقد أنجز الله وعده، فإن الله قد أغنى المسلمين من فضله، وبسط لهم من الأرزاق ما كانوا به من أكبر الأغنياء والملوك، وقوله: {إِن شَاء} تعليق للإغناء بالمشيئة؛ لأن الغنى في الدنيا ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة الله، فلهذا علقه الله بالمشيئة، واللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها. (تفسير السعدي، 1/333- 334)
فما أحوج شعبنا الصامد المرابط، الصابر المصابر، إلى الاطمئنان إلى هذه المعاني الإيمانية، ليزداد تمسكاً بحقه، ويتعزز إصراره على نيل حقوقه المشروعة، دون أن يخضع لإملاءات زيد أو عمرو من الخلق، وله خير أسوة بذلك في المواقف الإيمانية الراسخة الواضحة التي سطرها الأنبياء، عليهم السلام، وخاتمهم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
17 صفر 1440هـ

تاريخ النشر  2018-10-26
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس