.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 صاحب الإرادة الصلبة والعزيمة القوية  

==========================================================

 يخاطب الله عز وجل نبيه الكريم محمداً بن عبد الله، قائلاً: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159)، من بين مضامين هذا الخطاب الرباني الشهادة الإلهية للنبي المصطفى، صلى الله عليه وسلم، بسوية منهجه في دعوة الخلق للاستقامة على دين الله القويم، فكان رحيماً بهم رفيقاً، وإلى جانب ذلك، كان صاحب إرادة صلبة، وعزيمة قوية، فكان أباً حانياً، وقائداً فذاً، شهدت له المواقف بالحزم والعزم، كيف لا؟ والله تعالى رباه على عينه على هذا الصراط السوي، فأمره بعد العزم بالتوكل على الله محب المتوكلين، الذين يأخذون بالأسباب بالتزامن مع الاعتماد على الله، الذي هو حسبهم وكافيهم.
وكان عليه الصلاة والسلام من أولي العزم من الرسل الذين قال فيهم جل ذكره: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ...} (الأحقاف: 35)، فكانت قراراته في السلم والحرب تتسم بحسن الخلق، الذي ينبع من رصيد مشبع بالمكارم، التي شهد له بها رب البرية سبحانه بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4)
فأكرم به من نبي وقائد، صلوات ربي وسلامه عليه، لم تحجزه الصعاب عن ولوج دربها، وصدقت فيه المدائح التي نطق بها الخالق والخلق، على غرار قول المتنبي:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزَائِمُ وتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
ويَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا وَيَصغُرُ فِي عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائِمُ
وقول شاعر:
إِذَا كُنتَ ذَا رَأيٍ فَكُن ذَا عَزِيمَةٍ فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأيِ أَن تَتَرَدَّدَا

نيل المطالب والمعالي
في سنين محدودة دانت للرسول، صلى الله عليه وسلم، أنحاء واسعة من دنيا العرب والعجم، وأنشأ جيلاً دعوياً حمل الإسلام رسالة هداية للعالمين، ولم يفته إنشاء جيش يحمي دعوته، وكرامة أتباعه، ومقدسات دينه، فخاض معارك قاسية، توجت بالفتح الأعظم لمكة المكرمة، وانتشر الإسلام في ربوع الدنيا، بفضل عوامل عديدة، من أبرزها قيادته الحكيمة، وصلابة إرادته، وقوة عزيمته، وعن هذا الجانب وغيره من فضائل شمائله وصفاته صلى الله عليه وسلم، يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في إحدى قصائده المشهورة:
وَسَوّى اللهُ بَينَكُمُ المَنايا *** وَوَسَّدَكُمْ مَعَ الرُسلِ التُرابا
وَأَرسَلَ عائِلاً مِنكُمْ يَتيمًا *** دَنا مِن ذي الجَلالِ فَكانَ قابا
نَبِيُّ البِرِّ بَيَّنَهُ سَبيلاً *** وَسَنَّ خِلالَهُ وَهَدى الشِعابا
وَكانَ بَيانُهُ لِلهَديِ سُبلاً *** وَكانَت خَيلُهُ لِلحَقِّ غابا
وَعَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ حَتّى *** أَخَذنا إِمرَةَ الأَرضِ اغتِصابا
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي *** وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ *** إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكابا
تَجَلّى مَولِدُ الهادي وَعَمَّتْ *** بَشائِرُهُ البَوادي وَالقِصابا
وَأَسدَتْ لِلبَرِيَّةِ بِنتُ وَهبٍ *** يَدًا بَيضاءَ طَوَّقَتِ الرِقابا
لَقَد وَضَعَتهُ وَهّاجًا مُنيرًا *** كَما تَلِدُ السَماواتُ الشِهابا
فَقامَ عَلى سَماءِ البَيتِ نورًا *** يُضيءُ جِبالَ مَكَّةَ وَالنِقابا
وَضاعَت يَثرِبُ الفَيحاءُ مِسكًا *** وَفاحَ القاعُ أَرجاءً وَطابا
أَبا الزَهراءِ قَد جاوَزتُ قَدري *** بِمَدحِكَ بَيدَ أَنَّ لِيَ انتِسابا
فَما عَرَفَ البَلاغَةَ ذو بَيانٍ *** إِذا لَم يَتَّخِذكَ لَهُ كِتابا
مَدَحتُ المالِكينَ فَزِدتُ قَدرًا *** فَحينَ مَدَحتُكَ اقتَدتُ السَحابا
سَأَلتُ اللهَ في أَبناءِ ديني *** فَإِن تَكُنِ الوَسيلَةَ لي أَجابا
وَما لِلمُسلِمينَ سِواكَ حِصنٌ *** إِذا ما الضَرُّ مَسَّهُمُ وَنابا
كَأَنَّ النَحسَ حينَ جَرى عَلَيهِمْ *** أَطارَ بِكُلِّ مَملَكَةٍ غُرابا
وَلَو حَفَظوا سَبيلَكَ كان نورًا *** وَكانَ مِنَ النُحوسِ لَهُمْ حِجابا
بَنَيتَ لَهُمْ مِنَ الأَخلاقِ رُكنًا *** فَخانوا الرُكنَ فَانهَدَمَ اضطِرابا
وَكانَ جَنابُهُمْ فيها مَهيبًا *** وَلَلأَخلاقِ أَجدَرُ أَن تُهابا
فَلَولاها لَساوى اللَيثُ ذِئبًا *** وَساوى الصارِمُ الماضي قِرابا
فَإِن قُرِنَت مَكارِمُها بِعِلمٍ *** تَذَلَّلَتِ العُلا بِهِما صِعابا
وَفي هَذا الزَمانِ مَسيحُ عِلمٍ *** يَرُدُّ عَلى بَني الأُمَمِ الشَبابا
فالرسول، صلى الله عليه وسلم، عَلَّمَنا بِناءَ المَجدِ بسواعد قوية، تضع بصماتها واضحة جلية على درب المعالي، بالعمل الدؤوب، المنطلق من إيمان يعمر القلوب، ويقين بلزوم القيام بالواجب، فكما قال شاعرنا:
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي *** وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ *** إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكابا

إرادة الذين نهلوا من مدرسة النبوة
ظهرت معالم الإرادة الصلبة والعزائم القوية في سلوك الذين كان منهم الخليفة المغوار الأول، رضي الله عنه، حيث كانت مواقفه مجللة بالحزم والعزم، كما جاء في الحديث الصحيح عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، قَالَ: (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ، قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ عَنِ اللَّيْثِ عَنَاقًا وَهُوَ أَصَحُّ) (صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله، صلى الله عليه وسلم)
فأبو بكر، رضي الله عنه، صاحب الرأي الحليم، والرفق واللين، كان منه الحزم، وكانت منه الصرامة حين تطلبت المواقف ذلك، ولولا ذلك منه، لكان ما كان في تاريخ الإسلام، وفي واقع الإسلام والمسلمين. من إصرار أهل القدس ومن جاورهم على الصلاة تحت حر الشمس ولهيبها، وترك النوم في ساعات الليل والسحر، من أجل الحضور للصلاة على مشارف الأقصى
وأبوابه لما حرمهم الظالمون من أدائها في جنباته، ومن تلك الرسائل أيضاً تلك التي ينبغي لقادة الأمة وشعوبها، وبخاصة أهل فلسطين أن يستخلصوا العبر منها، أن الوحدة والإرادة القوية والإيمان بالحق ورعاية الله لأهله، ينتج عنه ثمر طيب، كالشجرة التي أصلها في الأرض وأغصانها تناطح السحاب، فهل من معتبر؟!
سائلين الله العلي القدير أن يلهمنا والمؤمنين في بيت المقدس وأكنافه وبلاد الإسلام والمسلمين كافة؛ لنكون من أصحاب الإرادات الصلبة والعزائم القوية، على خطى نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
12 ذو القعدة 1438هـ

تاريخ النشر  2017-08-04
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس