.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حسبه الله وكافيه والمؤمنين  

==========================================================

 عن ابن عَبَّاسٍ: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ، عليه السَّلَام، حين ألقي في النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ، صلى الله عليه وسلم، حين قالوا: {إِنَّ الناس قد جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}) (صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم). (آل عمران: 173)
{حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} عبارة إيمانية بامتياز، تعبر عما يرسخ في القلوب من مرتكزات تجاه التعاطي مع مجريات الأمور والحوادث، فلا مصرف لها وفق عقيدة المؤمن سوى الله سبحانه، إذ العبرة بقدرة الله ومشيئته، لا بقدرة الخلق وتدبيرهم، صحيح أن معظم الأمور تجري على أيديهم، لكن الحقيقة أنها مرتبطة بالمشيئة الربانية، فالله إن شاء قلب عالي الأمور سافلها، وجعل نارها برداً وسلاماً، كما كان مع خليل الله إبراهيم، عليه السلام، حين ألقي في النار، فعطل الله خواصها المحرقة، وقلبها إلى النقيض، فأصبحت غير محرقة فحسب، بل برداً وسلاماً، كما حدّث القرآن العظيم عنها، في قوله تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ* قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ* وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} (الأنبياء: 68-70)
والمراد بالبرد والسلام هنا: أي ذات برد وسلام، وجاءت العبارة هكذا للمبالغة، واختلف كيف بردت النار، فقيل: أزال الله عنها ما فيها من الحر والإحراق، وقيل: دفع عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها، مع ترك ذلك فيها، وقيل: خلق بينه وبينها حائلاً، ومعنى السلام هنا السلامة، وقد روي أنه لو لم يقل سلاماً لهلك إبراهيم من البرد.(التسهيل لعلوم التنزيل، 3/29)
ويتماشى انقلاب خاصية النار في الحرق إلى نقيض ذلك، بقدرة الله تعالى ومشيئته سبحانه، مع الإيمان بأن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه سبحانه إذا أراد أمراً مهما عظم أو صغر، فإنما يقول له كن فيكون، وهو القائل سبحانه عن ذاته وصفاته: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون} (البقرة: 117)، وقد تكرر النص اللفظي المحتوي ذكر هذه الحقيقة الإيمانية في سبع مواضع قرآنية أخرى، غير ما ذكر في سورة البقرة، توزعت في ست سور، وذلك مرتان في سورة آل عمران، في الآيتين، 47، و59، ومرة واحدة في كل من سور الأنعام 73، والنحل 40، ومريم 36، ويس82، وغافر68.

معنى حسبنا الله
معنى: {حسبك الله} أي كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير، وأن المعنى كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين لدلالة الاستقراء في القرآن، على أن الحسب والكفاية لله وحده، كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ} (التوبة: 59)
فجعل الإيتاء لله ورسوله، كما قال: {...وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ...} (الحشر: 7)، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعل الحسب مختصاً به، وقال: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ...} (الزمر: 36)، فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده، وتمدح تعالى بذلك في قوله: {...وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ...}. (الطلاق: 3)
وقال تعالى:{وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال: 62)، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وقد أثنى سبحانه وتعالى على أهل التوحيد والتوكل من عباده، حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173)، وقال تعالى:{فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (التوبة: 129)، إلى غير ذلك من الآيات. (أضواء البيان، 2/104- 105)
لم يرق للرازي حسب ما ذكر في تفسيره الكبير، ما ذهب إليه بعض المفسرين من حصر المراد بمعنى {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} هنا بما كان يوم بدر من تقوية للرسول، صلى الله عليه وسلم، وإعانة بنصر الله، وقال: هذا التقييد خطأ لأن أمر النبي، عليه السلام، من أول حياته إلى آخر وقت وفاته ساعة فساعة، كان أمراً إلهياً، وتدبيراً علوياً، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل.
ثم وقف الرازي عند تأييد الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالمؤمنين، حسب قوله تعالى: {وَبِالْمُؤْمِنِينَ} فنقل عن ابن عباس أنه يعني بذلك الأنصار، وناقش الرازي ذلك، فقال: فإن قيل لما قال: {هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين، حتى قال: {وَبِالْمُؤْمِنِينَ}؟ فقال: التأييد ليس إلا من الله، لكنه على قسمين، أحدهما ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة، والثاني ما يحصل بواسطة أسباب معلومة معتادة، فالأول هو المراد من قوله: {الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ}، والثاني هو المراد من قوله: {وَبِالْمُؤْمِنِينَ} ثم إنه تعالى بين أنه كيف أيده بالمؤمنين، فقال: {وَأَلفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الاْرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}. (التفسير الكبير،15/150-151)

أثر اليقين بحسبنا الله ونعم الوكيل
من أبرز الآثار المترتبة على اليقين بقاعدة الحسب والتوكل على الله، الطمأنينة التي يصبغ الله بها قلوب المؤمنين،
فتجعلهم يواجهون الصعاب، وكيد الخلق، ومكرهم بجلد منقطع النظير، كما كان من إبراهيم، عليه السلام، حين تسلح بقول: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} لما رمي للنار ليحرق، ومثل ذلك ما كان من الرسول، محمد، صلى الله عليه وسلم، حين تسلح بسلاح جده إبراهيم، عليه السلام، لما تحزب ضده الأحزاب من كل حدب وصوب، فقال: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} فكفاه الله إياهم، ونصره وصحبه عليهم، بعد أن واجهوهم بعقيدة راسخة، ويقين بتحقق وعد الله، الذي ذكر في قرآنه الكريم وصف حالهم في تلك الساعة العسرة، فقال عز وجل: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً}(الأحزاب: 22)
وقد طمأن الله تعالى الرسول، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين بأنه حسبهم وكافيهم وحاميهم، حيث خاطب جل في علاه رسوله محمداً، صلى الله عليه وسلم، قائلاً: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} (الأنفال: 62)، ثم أتبع ذلك الخطاب بقوله عز وجل:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.(الأنفال: 64)
وفي التفسير الكبير أن الله تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر، والظفر في الآية التالية مطلقاً على التقديرات جميعها، وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار؛ لأن المعنى في الآية الأولى إن أرادوا خداعك، كفاك الله أمرهم، والمعنى في الآية الأخرى عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا، والمراد بقوله: {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الأنصار وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، نزلت في إسلام عمر، وفي الآية قولان؛ الأول التقدير الله كافيك، وكافي أتباعك من المؤمنين، والثاني أن يكون المعنى كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين، قال الفراء: وهذا أحسن الوجهين، أي ويمكن أن ينصر القول الأول بأن من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله، أو ينقص بسبب نصرة غير الله، والمحصلة بأن الكل من الله، إلا أن من أنواع النصرة ما لا يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة، ومنها ما يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة، فلهذا الفرق اعتبر نصرة المؤمنين، ثم بين أنه تعالى وإن كان يكفيك بنصره، وبنصر المؤمنين، فليس من الواجب أن تتكل على ذلك. (التفسير الكبير، 15/152- 153)
سائلين الله العلي القدير أن يعمق إيماننا بحسبنا الله ونعم الوكيل، وأن ينصرنا بها كما نصر أولياءه وأصفياءه وأنبياءه، وخاتمهم محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
20 شوال 1438هـ

تاريخ النشر  2017-07-14
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس