.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حرص على تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار والمسلمين من ورائهم-الحلقة الأولى  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لَا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هاهنا، وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ، أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله)
يحدد الرسول، صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث الشريف جملة من الأخلاق والقيم، التي تندرج في إطار تنظيم علاقة المسلم بإخوانه، وتحفظ الود بينهم، وتقوي أواصر علاقاتهم ببعض، وتنزع فتيل النزاع والشقاق من واقعهم.
وتتوزع هذه القيم بين مبادئ، وأوامر ونواهي، وقد شملت المبادئ المتضمن ذكرها في الحديث الشريف بيان أن المسلم أخو المسلم، لَا يَظْلِمُهُ، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَحْقِرُهُ، والقلب حصن التقوى، وإثم احتقار المسلم لأخيه عظيم، وكُلّ الْمُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ.
وفي جانب الأوامر، ركز الحديث على لزوم أن يكون المسلمون فيما بينهم إخواناً.
وبالنسبة إلى النواهي التي شملها هذا الحديث، فتمثلت في النهي الصريح عن الحسد، والنجش، والتباغض، والتدابر، وبيع الأخ على بيع أخيه، والنهي العرضي عن ظلم المسلم لأخيه، وخذله، واحتقاره، وسفك دمه، وسلب ماله، وانتهاك عرضه.
ويمكن إجمال الوقوف عند هذه القيم المستوحاة من هذا الحديث الشريف، على النحو الآتي:

المسلم أخو المسلم
من المبادئ التي أشار إليها الحديث، والتي ترتكز إليها قيم الإسلام وأخلاقه، أن المسلم أخو المسلم، حيث أقرَّ الله عز وجل هذا المبدأ في القرآن الكريم، بقوله جل ذكره:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10)، فهي أخوة مؤكدة، ومعاضدة بالحث على تعزيزها بمقومات بقائها، ووقايتها من عوامل الانهيار، تبين هذا من خلال الحث القرآني على الإصلاح بين الأخوة المختلفين، لأن النزاع بينهم يؤدي إلى الفشل، الذي حذر عز وجل منه، بقوله: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: 46)، فالفشل الناتج عن التنازع يفضي إلى تفتيت القوة، ويتيح المجال رحباً لاستقواء المتربصين بالمؤمنين، واستهواء السيطرة على زمام أمورهم، ونهب خيراتهم، واستعباد رقابهم، وصدق ناصح بنيه حين قال:
كونوا جميعاً يا بنيّ إذا اعترى *** خطب ولا تتفرقوا آحـــادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً *** وإذا افترقن تكسرت أفرادا
فالعلاقة بين المؤمنين لا بد أن تقوم على أساس الأخوة، التي تعني في دلالتها ومتطلباتها تحقق أمور بينهم، عبّر الحديث الذي بين أيدينا عن بعضها، وبينت آيات قرآنية وأحاديث شريفة أخرى كماً هائلاً من تلك الأمور.

أخوة المهاجرين والأنصار
لم يكن بالأمر العابر ولا من قبيل المصادفة أن تركز أعمال، الرسول، صلى الله عليه وسلم الأولى في المدينة المنورة بعد الهجرة إليها، على تحقيق التآخي العملي والواقعي بين المهاجرين والأنصار، فلم يترك الأمر للخواطر والنوايا والرغبات، بل احتضنت بيوت الأنصار المهاجرين بطريقة تعاونية تعتمد الحب المتبادل بين المتآخين، والحرص على تسهيل أمور المهاجرين، الذين تركوا ديارهم وأموالهم في مكة؛ استجابة لأمر ربهم، ونصرة لدينه القويم، فلقيهم الأنصار بالإيواء وقاسموهم المأوى والطعام والشراب، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: (قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: «لاَ» فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَئُونَةَ، وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). (صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب إذا قال اكفني مئونة النخل وغيره)
وتكوّن من فريقي المهاجرين والأنصار المجتمع الإسلامي الأول، الذي لم يطل به الزمان، حتى انتصر على جبروت الظالمين وطغيانهم، وقد أثنى رب البرية على صنيع الطرفين، فقال في محكم التنزيل: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً منَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ* وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً ممَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:8-9)
وعلى منهج هذه الأخوة يجب أن تبنى علاقات المسلمين ببعض، وهو منهج ينبغي أن لا يكون حادثاً تاريخياً عابراً، تسرد أخباره على سبيل التباهي بأعمال السالفين والتغني بمواقفهم، بل هي سنة الصالحين، ودرب المنتصرين، الذي منه نستلهم النور، استجابة لأمر الله الخاص بالتأسي بالصالحين من النبيين، ومناصريهم على مر العصور، حيث يقول تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(الممتحنة: 6)وما أحوج مسلمو هذا الزمان للإيمان بمبدأ إخوة المؤمنين، وفقه واجبهم نحوها، وأهميتها لإنقاذهم من بؤس التشرذم والشقاق والأحقاد.
فهذه نفحات يسر الله استنباطها واستلهامها من الحديث الشريف أعلاه، آملين متابعة استنباط المزيد منها في الحلقة القادمة، من زاوية الرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
27 ذو الحجة 1439هـ

تاريخ النشر  2018-09-07
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس