.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حرص على تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار والمسلمين من ورائهم -الحلقة الثالثة  

==========================================================

 عن ابن عُمَرَ، رضي الله عنهما، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لن يَزَالَ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ من دِينِهِ ما لم يُصِبْ دَمًا حَرَامًا). (صحيح البخاري، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم} (النساء: 93))
تعرضت الحلقة السابقة إلى الحديث عن أهمية الكف عن قتل الأبرياء، في ضوء الوقوف عند موقف الشرع من سفك الدماء بغير حق، بهدف الردع عن الاسترسال في طريق الجرائم النكراء، التي تطال دماء أمر الله باحترامها وحفظها، جاء ذلك في إطار مواصلة الوقوف عند موضوع الحرص على تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار والمسلمين من ورائهم.

وعيد متجاوزي الحق في القتل
في الحديث الشريف أعلاه ينفر الرسول، صلى الله عليه وسلم، من استباحة الدماء المصانة، إذ كيف للذين يؤمنون بيوم الحساب أن يلقوا ربهم فيه، وفي أعناقهم وزر زهق أرواح بالباطل، جاء في فتح الباري، أن قوله: (في فسحة) بضم الفاء، أي سعة، وقوله: (من دينه) وفي رواية (من ذنبه) فمفهوم الأول أن يضيق عليه دينه، ففيه إشعار بالوعيد على قتل المؤمن متعمداً، بما يتوعد به الكافر، ومفهوم الثاني أنه يصير في ضيق بسبب ذنبه، ففيه إشارة إلى استبعاد العفو عنه؛ لاستمراره في الضيق المذكور، وقيل: الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة، حتى إذا جاء القتل ضاقت؛ لأنها لا تفي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة، حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول، وحاصله أنه فسره على رأي ابن عمر في عدم قبول توبة القاتل، وقوله: (ما لم يصب دماً حراماً) الإصابة كناية عن شدة المخالطة، ولو قلت. (عن فتح الباري 12/188بتصرف)
ومن الوعيد القرآني الصارم للذي يقتل بريئاً بغير حق، ما تضمنه قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} (النساء: 93)، فالقاتل بغير حق تنتظره جهنم، وما أدراك ما جنهم؟! إنها السعير، والنار التي تلظى، التي تزيد حرارة لهيبها عن حرارة نار الدنيا بسبعين ضعفاً، ففي الصحيح عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (نَارُكُمْ جُزْءٌ من سَبْعِينَ جُزْءًا من نَارِ جَهَنَّمَ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إن كانت لَكَافِيَةً، قال: فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا) (صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة)

حفظ دم غير المسلم من القتل بغير حق
وعيد متجاوزي الحق في القتل لا يقتصر على الاعتداء على دماء المسلمين وأرواحهم، بل يشمل هذا الوعيد قتلة المعاهدين من غير المسلمين، فعن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو، رضي الله عنهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (من قَتَلَ مُعَاهَدًا لم يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ من مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) (صحيح البخاري، كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهداً بغير حرم)
فليس من الإسلام ولا نصرته، الاستهانة بدماء غير المعتدين من الناس، أياً كانت دياناتهم ومعتقداتهم، فقاعدة لكم دينكم ولي دين، قررها رب العالمين، الذي حثَّ المسلمين على البر والقسط لغير المعادين لهم من أصحاب المعتقدات الأخرى، فقال جل شأنه: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة:8)
وإنما تكون العداوة للمعتدين فحسب، وفق بيان الآية القرآنية الكريمة التالية لهذه، حيث يقول تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الممتحنة:9) فلا مسوغاً شرعياً لأي انتهاك لهذه المبادئ، التي أرساها الله تعالى في محكم التنزيل.

الوقاية من استشراء القتل بالقصاص ومنع الثأر
لم يقتصر دور الشريعة الإسلامية على التوعية الوقائية ضد تجاوز الحق في القتل، وزهق الأرواح، وسفك الدماء، بل شمل دورها كذلك على تشريع أحكام واضحة لمواجهة هذه المشكلة، والعمل على معالجتها بشكل ناجع وعملي، فشرع الله القصاص من القاتل جزاء له بمثل فعله، وقدمته يداه، وفي حال الأخذ بالتشريع الرباني، والعمل بموجبه، فسيتقلص حجم القتل الظالم في المجتمع؛ لأنه تشريع رادع، لكل من تسول له نفسه اقتراف القتل الآثم، فسيردعه العلم بأن مصيره القتل، كما أن القصاص يحمي المجتمع من آفة الأخذ بالثأر، حين يشفى غليل أهل المقتول، بقتل المعتدي على دم ابنهم وقريبهم، من هنا كان الوصف القرآني رائعاً للقصاص بأنه حياة، كما جاء في قول الله عز وجل: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:179)
ولأهمية جانب الوقاية من استشراء القتل بالقصاص ومنع الثأر، نرجو أن يوفق الله تعالى إلى متابعة الحديث عنها في سياق تناول موضوع الحرص على تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار والمسلمين من ورائهم، والتركيز من خلاله على الكف عن قتل الأبرياء، الذي جاء التنفير منه بأساليب ومضامين عديدة في آيات القرآن الكريم، وفي سنة البشير النذير محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله الطاهرين، وأزواجه أجمعين، وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
11 محرم 1440هـ

تاريخ النشر  2018-09-21
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس