.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حرص على تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار والمسلمين من ورائهم - الحلقة السابعة والأخيرة  

==========================================================

 عن أبي مُوسَى، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ، كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ) (صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره)
يجسد هذا الحديث الشريف الحال الذي يريده النبي، صلى الله عليه وسلم، للمؤمنين في علاقاتهم بعضهم ببعض، مشبهاً إياه بالبنيان، يشد بعضه بعضاً، وزاد الرسول، صلى الله عليه وسلم، المثال توضيحاً، بتشبيك أصابعه، ويبين ابن حجر أن المراد بعض المؤمنين للبعض، وقوله يشد بعضه بعضاً، بيان لوجه التشبيه، وقوله: (وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ) هو بيان لوجه التشبيه أيضاً؛ أي يشد بعضهم بعضاً، مثل هذا الشد، ويستفاد منه أن الذي يريد المبالغة في بيان أقواله، يمثلها بحركاته، ليكون أوقع في نفس السامع. (فتح الباري، 10/450)

المؤمنون كالجسد
في حديث آخر، شبه عليه الصلاة والسلام، متانة علاقة المؤمنين ببعض، بالجسد، الذي تعمه الحمى بسبب ألم أصاب أحد أعضائه، فقال صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم)
جاء في شرح هذا الحديث الشريف، أن مثل المؤمنين الكاملين في الإيمان، في تحاببهم وتلاطفهم، وعطف بعضهم على بعض، مثل الجسد الواحد، بالنسبة لأعضائه جميعها، ووجه الشبه التوافق في التعب والراحة، إذا اشتكى أي مرض منه عضو، تداعى له باقي الجسد بالسهر؛ تعبيراً عن ترك النوم؛ لأن الألم يمنع النوم، والحمى يثيرها فقد النوم، ومعناه أمر؛ أي كما أن الرجل إذا تألم بعض جسده سرى ذلك الألم إلى بدنه جميعها، فكذا المؤمنون، ليكونوا كنفس واحدة، إذا أصاب أحدهم مصيبة يغتم جميعهم، ويقصدون إزالته. (التيسير بشرح الجامع الصغير، 2/373)

بعضهم أولياء بعض
وفي القرآن الكريم وصف مميز للمؤمنين وعلاقاتهم ببعض، فهم أولياء بعض، مصداقاً قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. (التوبة: 71)
يرجح الرازي في تفسيره الكبير أن الولاية هنا، تفيد القرب؛ فبعضهم يعظم بعضاً، يهتم بشأنه، ويختص بمعاونته ومناصرته، والمقصود أن يكونوا يداً واحدة على الأعداء، وأن يكون حب كل واحد لغيره جارياً مجرى حبه لنفسه.(التفسير الكبير، 15/166)

رحماء بينهم
المؤمنون رحماء بينهم، أشداء على أعدائهم، مصداقاً لقوله سبحانه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}(الفتح: 29)

ربط بالحلقات الست السابقة
تحت العنوان المثبت أعلاه، تطرقت الحلقات الست السابقة إلى قضايا ومجالات تعزز متانة العلاقة بين المؤمنين، وتزيل عنها شوائب الوهن الذي ينتابها، وينشأ بمسببات عديدة ومختلفة، ويفرز أشكالاً قاتمة، منها العداء والكراهية، اللتان يتسبب بهما أحياناً فرط الأنانيات، وحب الاستحواذ، والانتصار للعصبيات، والخضوع لضغط الغضب والانفعالات، مما يدفع إلى إيذاء الآخرين في دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، وللوقاية من ذلك تم النهي عن التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر، والبيع على بيع الآخرين، أو السوم على سومه، أو الخطبة على خطبته، وكل ذلك من مسببات مرض الكراهة، وتنامي الأحقاد بين الناس، ليكون المؤمنون إخواناً، يحب بعضهم بعضاً، بعيداً عن ممارسات الاحتقار والظلم والخذلان، وانتهاك حرمة الدماء والأموال والأعراض.
فأخلاق الإسلام وقيمه تنظم علاقة المسلم بإخوانه، وتحفظ الود بينهم، وتقوي أواصر علاقاتهم ببعض، وتنزع فتيل النزاع والشقاق من واقعهم، لتقوم علاقاتهم مع بعض على أساس الأخوة، التي يكون عمادها الحب والوئام، والانتصار لبعض، والحرص على حفظ دماء وأموال وأعراض بعضهم بعضاً.
وقد اندرجت بعض المثالب السلوكية المقوضة لحال الود بين المؤمنين، ضمن كبار الخطايا والذنوب، التي منها: قَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله إلا بِالحَقِّ، فأنكر الشرع أيما إنكار جرائم سفك الدماء بغير حق، وأمر بحفظ الدماء البريئة، وتوعد متجاوزي الحق في القتل، ويشمل ذلك قتل المعاهدين من غير المسلمين، وللوقاية من استشراء القتل شرع الإسلام القصاص، ومنع الثأر، بغض النظر عن شخصي المعتدي، والمعتدى عليه، فالناس أمام قضاء الإسلام سواء، ومن ثمار ذلك أن يدرك الناس، ويثقون بأن هناك قضاء عادلاً يأخذ الحق للمعتدى عليه من المعتدي، وأن حقوقهم لا تزول بسبب طغيان أصحاب النفوذ، وحين يتم ذلك تسود الطمأنينة، وتذوب الأحقاد من قلوب أبناء المجتمع، وتخف نتيجته الجرائم، وتتقوى الأواصر بينهم.
وحيث يصعب الاسترسال في طرح المزيد من المعطيات الخاصة بنفحات الحرص على تقوية الأواصر بين المسلمين، في هذه المرحلة، فنكتفي بما تيسر الوقوف عنده بالخصوص في الحلقات الست السابقة، في ضوء ما تيسر استنباطه من هدي القرآن الكريم، وسنة خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
10 صفر 1440هـ

تاريخ النشر  2018-10-19
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس