.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حرص على تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار والمسلمين من ورائهم - الحلقة الخامسة  

==========================================================

 عن عَائِشَةَ، رضي الله عنها: (أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ، التي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فيها رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عليه إلا أُسَامَةُ بن زَيْدٍ حِبُّ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَتَشْفَعُ في حَدٍّ من حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قام، فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قال: إنما أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فيهم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عليه الْحَدَّ، وأيم اللَّهِ، لو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) (صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار)
تعرضت الحلقة السابقة إلى خبر حادثة كسر الرُّبَيْع ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، وشرحه، كشاهد على إصرار النبي، صلى الله عليه وسلم، على القصاص من المعتدي على أرواح الناس وجوارحهم، ومن ثمار ذلك أن الناس حين يدركون ويثقون بأن هناك قضاء عادلاً يأخذ الحق للمعتدى عليه من المعتدي، وأن حقوقهم لا تزول بسبب طغيان أصحاب النفوذ فإن الطمأنينة تسود مجتمعهم والأمان يعمهم، وتذوب الأحقاد من قلوبهم، وتخف نتيجة لذلك الجرائم، وتتقوى الأواصر بينهم.

عدالة منقطعة النظير
إسناداً لتقوية الأواصر بين المسلمين من خلال الحرص على إقامة العدل بينهم، وطمأنتهم على أنهم سواسية أمام قضائه، ينكر النبي، صلىالله عليه وسلم ، في الحديث الشريف أعلاه الشفاعة في الحدود، التي يجب أصلاً أن تطبق بحذافيرها عند تحقق شروط التطبيق، ومحاولة السعي لإحباط تطبيق هذا المبدأ تتنافى مع مبادئ الإسلام التي تفرض المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، والرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد إنكاره الشفاعة في حد الله، أعقب ذلك بتقرير ما يسند هذا المبدأ بشكل حاسم جازم، من خلال قسمه بالله لو أن ابنته فاطمة سرقت لقطع يدها، التزاماً بحد السرقة الذي فرضه رب العالمين.
فأي تطبيق للعدالة بين الناس يفوق هذا المثال الرائع، الذي تجسدت فيه العدالة في أبهى صورها؟ من بيده الحل والعقد، يقسم بالله على تطبيق حذافير العدالة حتى لو تأذى من ذلك فلذة كبده، وأمام هذا المشهد يقف المرء مدهوشاً، حين يقارن به المحسوبيات وتجاوز الأنظمة والقوانين لصالح فئة المقربين من أصحاب النفوذ، مما يثير الضغائن بين الناس، فيحقد المحرومون على المنتفعين من الاستثناءات الظالمة، وعلى القائمين على توزيع المنافع بغير حق، مما يضعف الأواصر بين الناس، ويبعث على كراهية بعضهم بعضاً، فالرسول الأسوة، صلى الله عليه وسلم، ما كان يحابي الأقارب على الأباعد، وإنما كان ميزانه عادلاً، ومع ذلك كان لبعض الناس جرأة في الباطل، حيث دفعتهم أهواؤهم من خلالها إلى محاولة تلفيق تهمة خرم العدالة له صلى الله عليه وسلم، فعن عبد اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ، رضي الله عنهما: (أَنَّهُ حدثه أَنَّ رَجُلًا من الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النبي، صلى الله عليه وسلم، في شِرَاجِ الحَرَّةِ، التي يَسْقُونَ بها النَّخْلَ، فقال الأَنْصَارِيُّ: سَرِّح المَاءَ، يَمُرُّ فَأَبَى عليه، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لِلزُّبَيْرِ اسق يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِل المَاءَ إلى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فقال: أَنْ كان ابن عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قال: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِس المَاءَ حتى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، فقال الزُّبَيْرُ: والله إني لأَحْسِبُ هذه الآيَةَ نَزَلَتْ في ذلك {فلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}. (صحيح البخاري، كتاب المساقاة، باب سكر الأنهار)
والمراد بـ(شِرَاجِ الحَرَّةِ) هنا، مسيل الماء، وإنما أضيفت إلى الحرة، لكونها فيها، والحرة موضع معروف بالمدينة، قال أبو عبيد كان بالمدينة، واديان يسيلان بماء المطر، فيتنافس الناس فيه، فقضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للأعلى فالأعلى، وقول الأنصاري للزبير: (سرح) فعل أمر، من التسريح، أي أطلقه، وإنما قال له ذلك لأن الماء كان يمر بأرض الزبير قبل أرض الأنصاري، فيحبسه لإكمال سقي أرضه، ثم يرسله إلى أرض جاره، فالتمس منه الأنصاري تعجيل ذلك، فامتنع، قوله: (اسق يا زبير) حيث أشار على الزبير برأي فيه سعة له وللأنصاري، وقوله: أن كان ابن عمتك؟ بفتح همزة أن، وهي للتعليل، كأنه قال: حكمت له بالتقديم لأجل أنه ابن عمتك، وكانت أم الزبير صفية بنت عبد المطلب، وقال البيضاوي، وقيل: إنه استفهام على جهة إنكار، وقوله: (فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم) أي تغير، وهو كناية عن الغضب، وقوله: (حتى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ) أي يصير إليه، وهو ما وضع بين شربات النخل، كالجدار، وقيل المراد الحواجز التي تحبس الماء، والحاصل أن أمره بإرسال الماء كان قبل اعتراض الأنصاري، وأمره بحبسه كان بعد ذلك. (فتح الباري، 5/36- 37)
آملين في الحلقة القادمة متابعة الوقوف عند مزيد من نفحات الحرص على تقوية الأواصر بين المسلمين، حسب هدي القرآن الكريم، وسنة خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
25 محرم 1440هـ

تاريخ النشر  2018-10-05
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس