.:: الرسول الأسوة صلى الله عليه وسلم ::.

 حرص على تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار - الحلقة السادسة  

==========================================================

 عن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، ولا تَنَاجَشُوا، ولا يَزِيدَنَّ على بَيْعِ أَخِيهِ، ولا يَخْطُبَنَّ على خِطْبَتِهِ، ولا تَسْأَلْ المَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَكْفِئَ إِنَاءَهَا) (صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح)
لفتت الحلقة السابقة الانتباه إلى جانب إقامة العدل، ورفض ما يتنافى مع مبادئ الإسلام التي تفرض المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات، وتلك من المجالات الناجعة للوقاية من عوامل إضعاف الأواصر بين الناس، وتأجيج نار الحقد بينهم.

تحريم الاعتداء على الأموال والأعراض يعزز تقوية الأواصر
من معززات تقوية الأواصر بين المهاجرين والأنصار والمسلمين من ورائهم، التشديد على حظر الاعتداء على الأموال والأعراض، واحترام الخصوصيات والحقوق، وتتضافر هذه المعززات مع ما سبق عرضه من سبل تحريم سفك الدماء بغير حق، وحفظ الأموال والأعراض من الضرورات التي يجب صونها، والمحافظة عليها، فالمال شقيق الروح، والله تعالى يحرم أكل أموال الناس بغير حق، فيقول جل شأنه: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188)
والرسول، صلى الله عليه وسلم، يقول: (من أَخَذَ أَمْوَالَ الناس يُرِيدُ أَدَاءَهَا، أَدَّى الله عنه، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا، أَتْلَفَهُ الله) (صحيح البخاري، كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها وإتلافها)
وقد جاءت تشريعات الإسلام منسجمة مع هذه التوجيهات الكريمة، فحرمت الغش والسرقة والغرر، وكل ما من شأنه التعدي على أموال الآخرين.
وفي مجال حفظ الأعراض، حرم الإسلام الزنى، فقال عز وجل: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} (الإسراء: 32)، وحرم قذف المحصنات، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 23)، ودعا إلى الامتناع عن مس الأعراض بأي سوء، فمنع الغيبة، والسخرية، والاستهزاء بالآخرين، مما يعني طمأنة الناس على أعراضهم، ومعاقبة الذين تسول لهم أنفسهم الاعتداء على أعراض الناس، في الدنيا، وتوعدهم بعذاب بئيس يوم القيامة.

إجراءات تقي من المشاحنة حول حقوق مالية وشخصية
من أسباب حصول الشقاق والنزاع بين الناس اختلافهم حول الحيازة الشخصية، والملكية الفردية، والتي تنشأ في أحيان كثيرة بسبب الأنانيات المقيتة، والشراهة في الحرص على الاستحواذ الذاتي، وفي إطار توطيد علاقات المسلمين ببعض، والوقاية من مسببات نزاعهم وشقاقهم، والوهن الذي يتعرض له قوام الود، والوئام بينهم، حث الإسلام على صون أموال الناس وأعراضهم من المس بأي أذى دون حق، فنهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الشريف الذي استهلت به هذه الحلقة، عن نماذج من مسببات النزاع والشقاق بين المسلمين، فحرم الرسول، صلى الله عليه وسلم، التناجش، وأن يبيع المرء على بيع أخيه، أو يخطب على خطبته، وعن أن تسأل المرأة طلاق أختها لِتَسْتَكْفِئَ إِنَاءَهَا، ومن النواهي الأخرى التي وردت بالخصوص في أحاديث صحيحة النهي عن التباغض، والتحاسد، والتدابر، والهجران، إضافة إلى الأمر بأن يكون المؤمنون إخواناً، فعن أَنَسِ بن مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تَبَاغَضُوا، ولا تَحَاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ) (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الهجرة)

توطيد العلاقات وتعزيز الود
النواهي عن مسببات الوهن والشقاق، تصب في معين التربية السلوكية والإيمانية التي تهدف إلى إطفاء نار الشقاق بين المسلمين، وإحلال أجواء الصفاء والحب مكانها، بدليل إتباع النهي عن التباغض، والتدابر، والهجران، بالأمر بأن يكون المسلمون إخواناً، ومن المحال شرعاً وعقلاً ومنطقاً، أن ترد هذه النواهي والأوامر مجتمعة دون قصد وهدف، بل هي مقصودة قطعاً لتحقيق غاية الوفاق بين المسلمين والإلف، وأن يكونوا كما يحب الله لهم متحابين، يقفون صفاً واحداً كالبنيان المرصوص عند الشدائد والمحن، مصداقاً لقوله جل ذكره: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} (الصف:4) ويفترض في المسلمين أن يتضافروا على حفظ دماء بعضهم بعضاً، والذب عن حقوق إخوانهم، من منطلق واجب نصرة المظلومين منهم، استجابة لأمر الدين الواضح في الحديث الصحيح عن أَنَسٍ، رضي الله عنه، قال: قال رسول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أو مَظْلُومًا، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ هذا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قال: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ) (صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً)
ومعززات توطيد العلاقات والود بين المسلمين كثيرة، تمثل بعضها في الحث على القيام بسلوكات عملية في هذا الاتجاه، كما جاء في الحديث الصحيح، عن البَرَاءَ بن عَازِبٍ، رضي الله عنهما، قال: (أَمَرَنَا النبي، صلى الله عليه وسلم، بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عن سَبْعٍ، فذكر عِيَادَةَ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ العَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلامِ، وَنَصْرَ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِي، وَإِبْرَارَ المُقْسِمِ) (صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب نصرة المظلوم)

آملين في الحلقة القادمة ختم ما تيسر من حديث عن نفحات الحرص على تقوية الأواصر بين المسلمين، حسب هدي القرآن الكريم، وسنة خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأزواجه وأصحابه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
3 صفر 1440هـ

تاريخ النشر  2018-10-12
 دار الإفتاء الفلسطينية - القدس